العملات المشفرة بين أوروبا وأمريكا اللاتينية: MiCA وتنظيماته في أوروبا وتحولات الأسواق في أمريكا اللاتينية

تظهر العملات المشفرة في 2026 كجزء من المشهد المالي العالمي، لكنها تتخذ أشكالاً وأدواراً مختلفة بحسب المنطقة. في أوروبا، يخضع السوق لتنظيمات صارمة تستهدف حماية المستثمرين واستقرار النظام المالي، بينما في أمريكا اللاتينية تتحول العملة الرقمية إلى أداة للحماية من التضخم وانهيار العملات المحلية. يستعرض هذا التقرير واقع العملات في كل من المنطقتين مع تفصيل دور الدول البارزة.
أوروبا: تطبيق MiCA وتداعياته حتى ما بعد يوليو 2026
دخلت لائحة أسواق الأصول المشفرة المعروفة اختصاراً بـ MiCA حيز التنفيذ الكامل في الأول من يوليو 2026، منهيةً فترة الانتقال وجميع التسجيلات الوطنية المؤقتة. هذا التحول يعيد تشكيل السوق الأوروبية بطرق عدة، مع تركيز على الترخيص الإلزامي وتداعياته على منظومة السوق والالتزامات التنظيمية. في المقابل، أُطلقت مراجعة من المفوضية الأوروبية لتقييم是否 كانت MiCA بحاجة إلى تعديلات، خاصةً في قطاع العملات المستقرة الذي نما بسرعة ولم يكن محورياً أثناء وضع اللائحة في الفترة 2020-2023.
من جهة التنفيذ والقياس، أشار متعاملون في السوق إلى أن الحد الأدنى لمتطلبات الإيداع المصرفي ضمن قواعد الاحتياطي قد يؤثر على كفاءة استخدام العملات المستقرة. الدول الأوروبية الرائدة في تبني العملات المشفرة تشمل ألمانيا وإسبانيا وسويسرا، حيث يبلغ حجم التداول السنوي في أوروبا نحو 205 مليـار دولار. إلا أن ألمانيا شهدت انخفاضاً في النشاط بنحو 20% في الربع الأول من 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف الفرصة البديلة وانخفاض شهية المضاربة في الأسواق المتقدمة.
أمريكا اللاتينية: تبنٍ مؤسسي وتحوط في مواجهة التضخم
تسجل منطقة أمريكا اللاتينية إحدى أسرع وتائر تبني العملات المشفرة في العالم. فلطالما بلغ حجم التداول في 2025 نحو 730 مليار دولار، بزيادة سنوية تزيد على 60%، وهو ما يجعل المنطقة مسؤولة عن نحو 10% من النشاط العالمي للعملات الرقمية، بينما نما العدد الشهري للمستخدمين النشطين بمقدار 18% في 2025، وهو أسرع بمقدار ثلاث مرات من النمو في الولايات المتحدة.
البرازيل تبرز كقوة مؤسسية مسيطرة في المنطقة، حيث استقبلت وحدها حوالي 318.8 مليار دولار من قيمة العملات المشفرة في 2025، وهو ما يقرب من ثلث إجمالي حجم النشاط في المنطقة. وتظهر السوق البرازيلية نمطاً مؤسسياً متزايداً.
الأرجنتين تواجه تضخماً مرتفعاً، وتعتبر العملات المشفرة وسيلة تحوط موجهة لسكانها، مع تضخم قارب 220% في 2024. نسبة المستخدمين النشطين شهرياً بلغت 12% من السكان، مع 5.4 ملايين تنزيل لتطبيقات العملات المشفرة في 2025. تم تطبيق سجل إلزامي لمزودي خدمات الأصول الافتراضية لدى اللجنة الوطنية للأوراق المالية في 2024، مع متطلبات امتثال لمكافحة غسل الأموال وقواعد «اعرف عميلك» ورأس مال. وفي 2025، وسّعت اللجنة نطاق إشرافها. كما أن أكثر من 90% من تحميلات التطبيقات ارتبطت بمحافظ استخدمت PIX البرازيلي للمدفوعات، مما يسهل التحويلات اليومية.
السلفادور تظل التجربة الأبرز في تبني البيتكوين كعملة قانونية منذ 2021، لكنها تواجه وضعاً اقتصادياً وسياسياً أكثر تعقيداً. وفقاً للخزانة، تمتلك السلفادور 7,696.37 بيتكوين بقيمة تقارب 460 مليون دولار حتى نهاية يونيو 2026. وفي أوائل 2025 أُدخل اتفاق مع صندوق النقد الدولي بقيمة 1.4 مليار دولار، مع سقفٍ صارم يمنع شراء البيتكوين الطوعي من القطاع العام ويحد من زيادة الاحتياطي. يؤكد الصندوق أن الزيادة في رصيد البيتكوين المملوك للحكومة تعود إلى دمج محافظ حكومية، وليس لشراء جديد في السوق، مع وجوب الإبلاغ عن عناوين المحافظ وأرصدة الحكومة بحلول 2025 والخروج من المشاركة العامة في محفظة Chivo بحلول يوليو 2025 وتصفية صندوق Fidebitcoin.
المكسيك وكولومبيا وفنزويلا: مسارات تنظيمية وتوجهات رئيسية
المكسيك تواصل الاعتماد على إطار تنظيمي قديم نسبياً بدأ عام 2018 بموجب قانون التكنولوجيا المالية، حيث يسمح للبنوك المرخصة بتقديم خدمات العملات المشفرة للجمهور، بينما يسمح للمنصات غير المصرفية بالعمل بشرط الالتزام الصارم بمكافحة غسل الأموال. مع توقع إصلاحات في ما يُعرف بقانون التكنولوجيا المالية 2.0 بين 2025-2026، يتوقع أن تتضمن مسارات ترخيص لحفظ الأصول.
كولومبيا تتجه نحو تنظيم مالي أوسع، وذلك مع إقرار الإبلاغ عن بيانات المستخدمين والمعاملات في 2026 وفق إطار الإبلاغ الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما شهدت البلاد انخفاضاً في قيمة البيزو بنسبة 5.3% في 2025، وتزايدت تدفقات العملات المستقرة إلى السوق الكولومياني بنمط يشابه ما حدث سابقاً في الأرجنتين.
فنزويلا الذي يعاني اقتصادياً، يظهر نشاطاً مرتفعاً في العملات المستقرة، التي تهيمن على نحو 90% من التداول بين الأقران (P2P)، في حين يسجل السوق الإجمالي حجوم بنحو 17.9 مليار دولار. تتجه الأسر لاستخدام الرموز المرتبطة بالدولار كسبيل للحفاظ على القيمة وسط التضخم المستمر وغياب استقرار العملة المحلية.
مختصر التوجه العام هو أن أوروبا تشهد تنظيماً صارماً يهدف إلى حماية المستثمرين واستقرار الأسواق، بينما تتحول أمريكا اللاتينية إلى أدوات تحوط ومكانة مؤسسية أكثر وضوحاً في بعض الأسواق، مع استمرار تنويع النماذج التنظيمية في كل بلد على حدة.