المرأة في مكان العمل: هل هي منحة أم محنة؟

تمهيد: كيف نقيّم القيادة النسائية في بيئة العمل؟
لم يكن مسار الوصول إلى مناصب القيادة سهلاً بالنسبة للمرأة، فالتاريخ ملوّنه بموروثات وأحكام مسبقة ترى أن الإدارة تخص الرجال حصراً. وتُفسَّر أخطاء المرأة أحيانًا كإثبات على الفشل وتُستخدم لتأبيد الصورة النمطية، بينما تُمنح أخطاء الرجل فرصةً للتصحيح. غير أن الوقائع والتجارب تبيِّن أن معيار النجاح لا يعتمد على الجنس، بل على الكفاءة ورؤية القائد والقدرة على صنع القرار وإدارة البشر وتحقيق الإنجاز.
الكفاءة لا تعرف جنسًا. فالتجارب عبر العصور، القديمة والحديثة، تقدم أمثلة لا تدحض هذا الفهم، بأن نجاح الإدارة مرتبط بالقدرة على وضع الرؤية وتحقيق النتائج، لا بجنس القائد.
نماذج تاريخية تؤكّد أن الكفاءة معيار القيادة
حتشبسوت وكليوباترا في مصر القديمة
في مصر القديمة، حُكمت حتشبسوت خلال فترة شهدت نشاطًا عمرانيًا واسعًا ونموًا في التجارة، مع استقرار سياسي واقتصادي يعدّ من أبرز فترات الدولة. كما ظهرت الملكة كليوباترا السابعة كنموذج قيادي سياسي ودبلوماسي، حيث أتقنت لغات عدة وأقامت شبكة تحالفات دولية وسعت للحفاظ على استقلال مصر في مواجهة قوى عظمى، مستندة إلى ذكائها ومهاراتها في التفاوض.
نماذج حديثة توضح القوة القيادية للنساء
ماري بارا في General Motors
في العصر الحديث، أصبحت ماري بارا أول امرأة تتولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة جنرال موتورز، تقود واحدة من أكبر شركات صناعة السيارات خلال مراحل اقتصادية وتقنية معقدة، وتدير تحولًا استراتيجيًا نحو السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية مع تعزيز الشفافية والمساءلة.
جاسيندا أرديرن في السياسة العالمية
على مستوى القيادة السياسية المعاصرة، برزت جاسيندا أرديرن كنموذج قيادة هادئة وحاسمة، أدارت أزمات كبيرة مثل الهجوم الإرهابى في كرايستشيرش وجائحة كوفيد-19، مع الاعتماد على سرعة القرار والتواصل الفعّال وبناء ثقة بين الدولة والمواطنين.
نماذج من التاريخ الإسلامي
الشفاء بنت عبد الله وأم الدرداء الصغرى
في التاريخ الإسلامي، عُرف عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها أنها تجمع العلم والإدارة، إذ عُهد إليها بالإشراف على سوق المدينة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو عمل يتطلب الرقابة والتنظيم وحماية حقوق المتعاملين. كما برزت أم الدرداء الصغرى رحمها الله كإحدى كبار فقيهات الشام، وكانت تعقد مجالس العلم في المسجد الأموي ويستشيرها العلماء والقضاة، مما يعكس مكانة المرأة في العلم والكفاءة داخل المجتمع الإسلامي.
سمات القيادة الناجحة التي تتقاسمها هؤلاء القيادات
بالرغم من اختلاف الأزمنة والبيئات، تتشابه هذه الشخصيات في سمات قيادية أساسية: الكفاءة العلمية والعملية، الرؤية الإستراتيجية، القدرة على إدارة الأزمات، حسن اتخاذ القرار، والمرونة في التعامل مع المتغيرات، وبناء الثقة داخل المجتمعات والمؤسسات، إضافة إلى الإصرار على الإنجاز رغم التحديات والأحكام المسبقة. هذه السمات تؤكد أن القيادة ليست خاصة بجنس بعينه، بل مَهارة تُصقلها المعرفة والخبرة والنزاهة ومسؤولية الأساس.
الجمهورية الجديدة وتمكين المرأة في مصر
تشهد الجمهورية الجديدة تمكينًا أوسع للمرأة وتوسعًا في حضورها بمواقع صنع القرار، مع تعزيز تمثيلها في الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية والجهات المستقلة، والإدارة المحلية، والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى مشاركة أوسع في مجالس إدارات الشركات والقطاعات العامة والخاصة. هذا التوجه أظهرطاقات نسائية أثبتت جدارتها في الإدارة، وقدرتها على قيادة الملفات المعقدة والتعامل مع الأزمات وتحقيق مؤشرات أداء إيجابية في قطاعات متعددة.
تؤكد التجربة العملية أن الكفاءة هي المحرك الأساسي للتغيير؛ إذ يبدأ التحول من اختيار القادة وفق مبدأ الكفاءة لا المحسوبيات، وهو ما يتيح ظهور نماذج نسائية ناجحة تتجاوز القيود التقليدية وتكسر الصور النمطية عن القيادة النسائية. كما يشير الواقع إلى أن الاستثمار في الكفاءات النسائية ليس مجرد استجابة لمبدأ المساواة، بل خيار تنموي وإداري يعزز كفاءة المؤسسات وجودة اتخاذ القرار من خلال تنوع الخبرات والرؤى.
دروس عملية وتوجيه لصناع القرار
العلم أساس الريادة، فطلب المعرفة ليس مقصورًا على فئة بعينها، كما أن الإسلام يشجع المرأة على التعلّم والتميز العلمي، مع تأكيد أن معيار التفاضل هو العلم والعمل الصالح لا الجنس. وفي التراث الإسلامي، تؤكد أمثلة الشفاء بنت عبد الله وأم الدرداء الصغرى أن العلم والقيادة يمكن أن يجتمعا لدى المرأة في المجتمع المسلم.
الخلاصة: الكفاءة أولاً في اختيار القادة
المعادلة اليوم ليست هل تستطيع المرأة إدارة بيئة العمل، بل هل نملك الشجاعة لمنح الفرصة للمستحقين بعيدًا عن الأحكام المسبقة والقوالب النمطية. التاريخ والواقع يؤكدان أن النجاح الإداري يعتمد على العلم والخبرة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة البشر مع الالتزام بالعدالة. فبيئات العمل التي تبني عدالة وتكافؤ الفرص هي الأكثر قدرة على إنتاج قيادات حقيقية، رجالًا ونساء، بينما الإقصاء بناءً على النوع يمثل خسارة للجميع.
الخلاصة: الكفاءة هي الأساس، والوجه الأنثوي في بيئة العمل ليس منحًا ولا محنة، بل فرصة لاختبار القدرات عند منح الفرص بعدالة.