ثقافة/قيم اجتماعية

خالد دومة يكتب: ليكن الحب في الأرض

بقلم خالد دومة

تتطرق هذه القراءة إلى فكرة أن الحب في الأرض لا يُصنع بالمال، وأن الاعتماد على الثمن يحوّل العلاقات إلى صفقة قد ينهار أثرها حين يغيب المال. يعزز النص هذه الفكرة بقول يوحي بأن شراء الحب بالمال أو بما يملكه الشخص من متاع وجمال ونفوذ ليس حبًا، بل صفقة.

وتُبيّن المعادلة القاسية أن العطاء بلا نهاية من فيض ما تملك يمكن أن يجتذب من حولك، لكن حين ينضب ما في اليد، يختفي من حولك الحب أيضًا. فالمال بهذا الشكل قد يصنع هذا النوع من الحب ويهدمه في الوقت ذاته: ما يُخلق حين حضور المال يزول عندما يغيب.

تدور الأحداث حول امرأة تبلغ 58 عامًا، لا يزال وجهها يحمل آثار جمال قديم. هي مغرمة بجمالها وتعيش على ذكرياته وتقتات من أمجاده السابقة. قلبها كان مشدودًا إلى فكرة الحب، ولكن روحها لم تكن مرتبطة به يومًا. بدا عليها القسوة التي كانت تبررها بزهو النفس. وجمالها كان سيد الموقف في حياتها، يمنحها ما تريد ويكسبها شعورًا بالتفوق على الآخرين. أنانيتها مفرطة، وأنوثتها التي كانت تتغنى بها لم تكن نابعة من الداخل، بل بدا أنها لوحة آسرة تخفي خلفها قبحًا لا تراه العين من النظرة الأولى.

شغلتها أنوثتها عن الحب، فخلا قلبها من المشاعر الحقيقية وبقيت الغيرة القاتلة ما يحرك سلوكها. لم ترغب لامرأة أخرى أن تقف بجانبها ولا أن تتنافس معها في شيء. كرهت النساء، ولم يحبها من الرجال إلا من يجهل معنى الحب سوى الشهوة. هؤلاء كانوا يرون فيها جسدًا للمتعة لا أكثر، بلا فرق بين من تقارنهم بها إلا بمدى اللذة العابرة التي يمنحونها.

وفي يوم بدا عليها اضطراب داخلي لم يعد أحد يراها في تلك الصورة المعتادة. أدركت فجأة ما حاولت الهروب منهطويلاً: منذ أن بدأ جمالها يضعف، بدأت هموم الحياة تتكشف أمامها تدريجيًا. لم تكن تريد مواجهة الحقيقة، حقيقة الأخطاء التي ارتكبتها حين جعلت من جمالها محور وجودها. ظنت يومًا أن الحياة تقودها وأن الناس يخضعون لسحرها وأن ذلك هو الانتصار الحقيقي. لكنها اكتشفت لاحقًا أن ما عاشته كان وهماً، وما حصدته في نهاية الطريق لم يكن إلا الوحدة. ما ظنت أنه حب في عيون الناس لم يكن سوى خوف أوطمع أو رغبة عابرة.

إنه شعور قاتل أن يكتشف الإنسان أنه كان قبيحًا من الداخل، وأن جمال الظاهر لم يكن قادرًا على ستر ذلك القبح إلى الأبد. الحب الحقيقي لا يولد من مصلحة، ولا من خوف، ولا منطمع. إنه ينبع من قلب لا يسأل عن السبب، ولا ينتظر مقابلًا، ولا يفرض شروطًا على عطائه. والجمال يذبل مع الأيام، أما الحب الصادق فباقٍ رغم تغير الزمن وتقلب الأحوال.

اقتربت الحقيقة من قلبها، وترددت قبل مواجهة انعكاسها في مرآة مشروخة أهملت سنوات فترت على سطحهاطبقة من الغبار والأوهام. عندما اقتربت من بلوغ نقطة هامة في العمر، اعترفت لنفسها بأن ما عاشته كان وهماً وخدعة للنفس وللجوارح. أدركت أن علاقتها بجمالها لم تكن سوى صورة زائفة، وأن الزهور التي ظنتها متفتحة كانت في الحقيقة ذابلة، وأن العطر الذي ظنت أنه يملأ المكان لم يكن سوى خيال صنعته غرورها. ثم وعت بأنها لا تستطيع استعادة عمرها الضائع، وأن الحياة ظهرت لها بوجهها الحقيقي الآن. لا أحد يستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، وكانت لحظتها فرصة لإعادة تفكيرها في الحب والجمال.

هذه القصة تطرح سؤالًا مركزيًا: هل الحب يمكن أن يستمر إذا ابتعدت عنه المصالح والمظاهر؟ الجواب في النص نفسه: الحب الحقيقي يظل أقوى من الزمن حين ينبع من قلب لا ينتظر مقابلًا، وأن الجمال قد يزول، لكن الحب الصادق يبقى.

زر الذهاب إلى الأعلى