ثقافة وآثار

عدو الآثار (1)

الآثار ليست مجرد مخازن تاريخية، بل هي جزء من الهوية الإنسانية وليست ملكاً لدولة بعينها بل تخص الإنسانية جمعاء. وفي قلب هذه الحقيقة، يأتي التفسير القاطع بأن الحروب هي العدو الأول للتراث الأثري وتدفعه إلى الاندثار والنهب وتعرّضه للغربة عن ذاكرته الطويلة.

تظهر أمثلة متعددة أن الصراع المسلح لا يضرب البشر وحدهم، بل يهدد الحضارة والتاريخ ذاته عبر مناطق مختلفة من العالم. وفي العراق وسوريا واليمن وليبيا، عُرضت مواقع أثرية مهمة لخطر التدمير والنهب، كما غدت تجارة القطع الأثرية غير المشروعة سبيلاً لتبديد كنوز الماضي إلى أسواق عالمية.

العراق: نهب واسع وتدمير لبعض المواقع

شهدت بغداد في أعقاب دخول قوات التحالف الأميركي إلى العاصمة عام 2003 تراجعاً حاداً في إجراءات حماية التراث، ما أدى إلى نهب واسع للمتحف الوطني العراقي وتقدَّر أعداد القطع المسروبة بنحو 15 ألف قطعة. كما أُفشلت العديد من المحاولات لاستعادة ما فُقد، مع غياب تطبيق قوانين دولية واضحة لحماية المواقع الأثرية.

ولم تقتصر الأضرار على ذلك، بلطال تدمير مواقع أثرية أخرى من بينها مدينة نمرود الأثرية التي أُصيبت بالدمار الشديد تقريباً.

سوريا: تفجير وتدمير مواقع ومخطوطات ومقامات

دخلت سوريا في مسار دُمّرت خلاله مواقع أثرية هامة، من بينها مدينة تدمر التي تقع في محافظة حمص على بعد أكثر من 200 كم في عمق الصحراء شمال دمشق وتعرضت لأضرار جسيمة. كما جرى تفجير معابد تاريخية مثل معبد بل ومعبد بعلشمين، وقوس النصر، وتدمير أسواق حلب التاريخية، إضافة إلى تدمير مئذنة الجامع الأموي والجامع العمرى وأجزاء من قلعة حلب الأثرية.

بالإضافة إلى ذلك، شهدت البلاد تنقيبا عشوائياً ونهباً منظماً لآثارها، وخرجت آلاف القطع من سوريا إلى أسواق العاديات العالمية، بينما شهدت العالم لقطات تُظهر استغلالاً وتجارة لهذه القطع رغم معرفتهم بأنها خرجت من بلد يمر بفوضى الحرب. كما قتلت جريمة مروّعة عالم الآثار السوري خالد الأسعد عندما قطع رأسه في سياق محاولات الوصول إلى مواقع أثرية نادرة.

ولم يكن العالم العربي بمنأى عن التقهقر الذاكري، فبالرغم من وجود بعض الإجراءات الدولية، لم تُوجه اللوم بشكل واضح للمجرمين ولم تُفعّل القوانين لحماية المواقع الأثرية كما يجب، وهو ما يبرز الحاجة للمزيد من الاهتمام العالمي بحماية التراث.

اليمن: استهداف المتاحف وتدمير مواقع أثرية

منذ عام 2014 يواصل اليمن معاناة الحرب وغياب السيطرة المؤسسية على المواقع الأثرية، ما أدى إلى تدمير مدن ومواقع أثرية، وتعرّض المتحف الوطني بمحافظة تعز لقصف وتخريب، مما أدى إلى تدمير آثار نادرة ونهب مئات المخطوطات والقطع التاريخية النادرة، إضافة إلى استهداف المنازل التاريخية ومواقع التراث العالمي.

ليبيا: فوضى ما بعد الإطاحة وتدمير التراث

عقب سقوط النظام ومع غياب سلطة أمنية على المواقع الأثرية، انتشر المرتزقة وتزايد التخطيط غير القانوني للتنقيب وللنهب، وتعرّضت مواقع يونانية ورومانية مهمة للتدمير. ضمن إطار دعاوى نشر الإسلام، تم تفجير أضرحة تاريخية فيطرابلس وبنغازي ومصراتة، ثم ظهرت محاولات لبناء فوق مواقع أثرية أو الاستيلاء على أراضٍ ذات قيمة تاريخية. ومع غياب الرقابة، خرجت قطع أثرية كثيرة من ليبيا إلى الأسواق العالمية عبر شبكات دولية معروفة بقدرتها على الوصول إلى القطع المهمة وبيعها في المزادات.

خلاصة

المعادلة ثابتة: الحروب بأنواعها تمثل العدو الأول للآثار، لأنها لا تقتل البشر فحسب بل تقتل الذاكرة وتدمر الهوية والحضارة والتاريخ. والتأثير يمتد من مادي إلى معنوي، ويتكرر في مناطق مختلفة من العالم عندما يفقد الإنسان قدرته على حماية تراثه وصيانته ضمن القانون الدولي والوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى