«وجوه احترقت من أجل الرزق».. «المصري اليوم» ترصد رحلة الشقاء لعاملات «اليومية» في عز الصيف

عاملات يوميات تحت شدة الحر: معاناة العمل في الشوارع والحقول المصرية
تسلِّط هذه القصة الضوء على نساء يعملن في الشارع والأسواق الزراعية خلال موجة حر مطوَّلة، وتعرض تجاربهن وآثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، مع إشارات إلى أبعاد تغير المناخ وتأثيراته على الفئات الأكثر تعرضاً للضرر.
أم جمال: الوقوف أمام الشمس قبل شروق الشمس وتبعاتها اليومية
أم جمال، تبلغ من العمر 45 عاماً، تبدأ يومها قبل شروق الشمس وهي تحمل بضاعتها وتقف في سوق بولاق الدكرور، المكان الذي اعتمدت كسب قوت يومها منه منذ أكثر من ثلاثة عقود. كانت الحرارة في الماضي جزءاً من روتينها، لكنها تشكو اليوم أن الشمس لم تعد كما كانت وأن الوقوف ساعاتطويلة تحت أشعتها بات معركة يومية تستنزف جسدها وتترك آثارها على وجهها. خلال السنوات الخمس الأخيرة تراجعت قدرة التحمل، وتزايد الإرهاق رغم سنوات العمل الطويلة. وتؤثر التغيرات في البشرة والصحة النفسية، وتؤكد أنها غالباً ما ترى تغيراً في ملامحها في المرآة وتتلقى نظرات من زوجها تتنمر على هذه التغييرات. ورغم ذلك تستمر في العمل كونه مصدر رزق أسرتها، فمسؤولية الإعالة تدفعها للوقوف في الشارع يومياً حتى مع تقدمها في العمر واشتداد موجات الحر، وتؤكد أن المسألة تتطلب جهداً مضاعفاً في الصيف، وأن العودة إلى المنزل تكون مرهقة لكنها تعود في اليوم التالي لتبدأ الرحلة نفسها من جديد.
زينب خالد: وجه الشمس يلازم البشرة والعمل الميداني قبل الشروق
زينب خالد، 26 عاماً من قرنفيل في مركز القناطر الخيرية، تقضي صباحها وهي في شاحنة نصف نقل مع 20 فتاة أخرى لتصل إلى الحقول قبل شروق الشمس وتعمل حتى الظهيرة. تؤكد أن العائد اليومي في بعض الأيام يصل إلى نحو 80 جنيها، وأن الحقل والحرارة مصدران لتغيرات جسدية ونفسية نتيجة التعرض المستمر للشمس. تتحدث عن سنواتطويلة من العمل في حصاد المحاصيل تضمن لقمة الأسرة، وتؤكد أن العمل دون تأمين يحرمهن من حماية اجتماعية، وأن شموس الصيف تركت بصماتها على الملامح والمشاعر، وأنهن يملن إلى الاعتماد على مواسم الحصاد لسد احتياجات المنزل.
رضا جودة: التين الشوكي والتحدي الصحي في الحقول
تنقل رضا جودة تفاصيلها من قطف ثمار التين الشوكي، وبجانبها خطر الوخز بالشوك أثناء الجني، ما يجعل الكفوف هدفاً للجروح وتعباً نتيجة الحرارة. تقول إن بعض ملاك المزارع يسلّمون القفازات للعمال، في حين أن هذه المبادرة ليست موجودة بشكل نظامي، وتؤكد أن العائد من الحصاد يصل أحياناً إلى نحو 100 جنيه، مع وجود شكائر من الجريد والاعتناء بالثمار لكي تبقى سليمة بعيداً عن الشجر، بينما تبقى الجروح والتعب متلازمة مع حرارة الشمس الحارقة.
الإحصاءات الرسمية وتداعيات المناخ على النساء في القطاع الزراعي
تشير بيانات المعهد القومي للتنمية المستدامة إلى أن القطاع الزراعي يشمل نحو 19% من إجمالي العاملين في مصر، وتشكل النساء 45% من القوى العاملة في هذا القطاع. وتشارك النساء في مهام مثل الحصاد ومكافحة الآفات وإزالة الأعشاب الضارة. كما أن 94% من الحصاد في صعيد مصر تقوم به النساء و67% في الوجه البحري. وفي تعليقات علمية، تُظهر الدكتورة هبة عدلي أن ملامح النساء في المناطق الريفية قد تبدو كأنها في الستين من العمر رغم أن أعمارهن الحقيقيـة أقصر، نتيجة التعرض المستمر للأشعة فوق البنفسجية وتداعياتها على البشرة والملامح.
أثر الأشعة فوق البنفسجية والصحة الجلدية في ظل الصيف القاسي
تشير الدكتورة عدلي إلى أن التعرض الطويل لأشعة الشمس يؤدي إلى تكسير خلايا الجلد وحدوث تجاعيد مبكرة ونمش وكلف، كما أن الجفاف الناتج عن العرق يمكن أن يسبب حكة وخشونة وتسلخات. وتؤكد وجود أمراض مرتبطة بتغير المناخ لا علاج لها، وتحث على استخدام واقي الشمس مع تجديده كل ساعتين وارتداء قبعة تغطي الوجه، مع الإشارة إلى أن البشرة الفاتحة تتعرض لحروق أشد من البشرة الداكنة وأن بعض الحالات قد تصل إلى حروق من الدرجة الثانية أو حتى سرطان الجلد في حال وجود تاريخ مرضي عائلي.
مخاطر العمل في فترات الذروة ونصائح عملية للحماية
يؤكد الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ، أن ارتفاع درجات الحرارة والتعرض المباشر لأشعة الشمس لفتراتطويلة قد يسببان إجهاً حرارياً وضربات شمسية، خاصة معطول فترة العمل ونقص التهوية. ويربط بين شدة الحرارة والإنتاجية، مؤكداً أن الميل إلى العمل في الصباح الباكر أو بعد الغروب مع فترات راحة ظهرًا حتى الرابعة عصرًا يساعد في تقليل المخاطر. كما يلفت إلى اختلاف درجات الحرارة من منطقة لأخرى، مع مقارنة بين محافظات الصعيد والدلتا، وأن عام 2024 كان من أكثر الأعوام حرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يعزز الحاجة إلى وقاية من التعرض للشمس وتبعاتها. وتُقدم النصائح التي تتركز حول شرب كميات كافية من السوائل، وارتداء غطاء للرأس، والوجود في أماكن جيدة التهوية، وتجنب التعرض المباشر للشمس بين ظهرين وغاية الغروب. كما يتضمن التوجيه مسألة تقييم الأدوية للمرضى المزمنين في الصيف والتعامل مع الحساسية الجلدية باستخدام أدوية مناسبة ومراعاة عدم تسببها بالنعاس أثناء العمل.
واقع الحماية الاجتماعية للنساء العاملات وآفاق التحسين
تشير الدكتورة هدى الملاح إلى أن جزءاً كبيراً من النساء العاملات في الريف يعمل بلا عقود رسمية في القطاع غير المنظم، ما يحرمهن من التأمين الصحي والتعويض في حال الإصابات. وتؤكد أن دمج المرأة العاملة غير المنتظمة في منظومة التأمينات ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل استثمار اقتصاديطويل الأجل؛ فالحماية الاجتماعية ترفع الإنتاجية وتدعم استدامة شرائح الأسرة وتسهِّل استمرار عملهن وسط الظروف المناخية المتقلبة.
هذه المعطيات تبيّن أن تغيّر المناخ له تأثيرات حقيقية على النساء في المجال الزراعي وغير الرسمي، وأن تعزيز الحماية الاجتماعية وتوفير شروط عمل أكثر أماناً وتيسيراً هو جزء من الحلول المطلوبة لحماية هذه الفئة الحيوية من المجتمع.