من امتحانات الثانوية إلى قيادة الكنيسة القبطية: حكايات بطاركة الكنيسة القبطية مع النجاح

مع اقتراب نتائج الثانوية العامة يتجدد السؤال عن كيفية أن تكون لحظات الامتحان نقطة تحول في حياة الإنسان، وهو ما يظهر في سير بطاركة الكنيسة القبطية، حيث اجتمع الاجتهاد والإيمان ليشكلا مسارات روحية عميقة عبر الأجيال.
البابا تواضروس الثاني: من الثانوية إلى قيادة الكنيسة القبطية
في عام 1969، خاض البابا تواضروس الثاني امتحانات الثانوية العامة، وهو العام الذي تزامن مع حدث استثنائي هو ظهور السيدة العذراء مريم فوق كنيسة الزيتون، الحدث الذي جذب أنظار آلاف المصريين من مختلف الديانات. وفي تفاصيل القصة، انقدت والدته قلقها حول مستقبله وتمنت أن يلتحق بكلية الصيدلة، وهو الحلم الذي كان يشغل الأسرة. وقد أشارت «أبلة شفيقة»، شقيقة البابا كيرلس السادس، إلى ضرورة التوجه إلى الكنيسة التي شهدت ظهور العذراء وطلب صلاة البابا كيرلس السادس من أجل نجاحه.
وبحسب البابا تواضروس، ذهبت والدته بالفعل إلى البابا كيرلس السادس وطلبت منه الصلاة، فاستقر في الأسرة شعور بالسلام قبل الامتحانات، وهو السلام الذي ظل راسخاً في ذاكرته. لم يرَ العذراء بعينيه، لكنه لاحظ أثر الحدث فيمن حوله، خصوصاً والدته التي امتلأت بالرجاء والسكينة. وتُعدّ صلوات العذراء وبابا كيرلس السادس من الأسباب التي مهدت له الدخول إلى كلية الصيدلة، وهو المسار الذي شكّل جزءاً من شخصيته العلمية قبل دخوله الحياة الرهبانية.
لم يكن دخولُه كلية الصيدلة مجرد نجاح أكاديمي، بل كان محطة تأسيسية في تشكيل شخصيته. فقد مارس العمل في مجال الصيدلة لسنوات، ما أكسبه دقة في التفكير والتنظيم والاهتمام بالتفاصيل، وهي صفات ظهرت لاحقاً في أسلوبه الإداري كراهب ثم كقس وصولاً إلى انتخابه بابا للإسكندرية عام 2012. تبيّن من هذه الرحلة أن أحلام الثانوية قد تقود إلى مسارات غير متوقعة، وأن النجاح الحقيقي لا يقتصر على الشهادة فقط، بل يمتد إلى الرسالة التي يؤديها الإنسان في حياته.
البابا شنودة الثالث: التفوق يبدأ من تنظيم الوقت والإيمان
أما البابا شنودة الثالث، فكان له تاريخ مع ما كان يُعرف آنذاك باسم التوجيهية، إذ خاضها عام 1942. كان يتصدر مدرسته، غير أنه كان يرى أن التفوق ليس مجرد مزيج من الذكاء، بل ثمرة الانضباط والتنظيم والالتزام. وفي إحدى عظاته خلال التسعينيات، استعاد هذه المرحلة مقدماً للطلاب خلاصة خبرته: لا تتسرعوا في الإجابة، ابدؤوا بالأسئلة السهلة ثم انتقلوا إلى الأصعب، واذكروا السؤال أكثر من مرة لفهم المطلوب بدقة، وراجعوا إجاباتكم قبل الانتهاء لأن دقائق المراجعة قد تُنقذ درجات كثيرة.
كما كان يؤكد أن النجاح لا يتحقق بالجهد وحده، بل بالاعتماد على الله، فكان يطرح صلاة قصيرة يطلب فيها الفهم والحضور أثناء المذاكرة والامتحان، مؤكداً أن الهدف من النجاح ليس التفاخر بل تمجيد الله من خلال حياة الإنسان وأداء الواجبات. هذه الرؤية المتوازنة بين الاجتهاد والإيمان ظلت راسخة كإحدى منطلقات خيرة التربية والتعليم على مدار سنوات خدمة البابا شنودة.
البابا كيرلس السادس: حضور روحي في ذاكرة الأجيال
على مدى عقودطويلة، ظل اسم البابا كيرلس السادس مرتبطاً بفكرة الحضور الروحي خلال فترات الامتحانات؛ فصلاة ما قبل المذاكرة والامتحان المنسوبة إليه كانت ولا تزال جزءاً من تقاليد البيوت القبطية، حيث يبدأ الطلاب يومهم بها بحثاً عن الحكمة وصفاء الذهن قبل الانطلاق إلى لجان الامتحانات. ليست هذه الصلوات بديلاً عن المذاكرة، بل سند روحي يمنح الطالبطمأنينة ويساعده على تقديم أفضل ما لديه.
خلاصة الرحلة: رسالة من الامتحان إلى الحياة
تكشف قراءة تجارب البابا تواضروس الثاني والبابا شنودة الثالث بأن الثانوية العامة ليست محطة عابرة فقط، بل بداية لمسار أوسع من الخدمة والمسؤولية والقيادة الروحية. الطالب الذي حلم بدخول كلية الصيدلة قد يصبح لاحقاً راعياً للكنيسة القبطية، والمتفوق الذي كان يراجع إجاباته حتى اللحظة الأخيرة قد يحفر اسمه كأحد أبرز المفكرين والوعاظ في تاريخ الكنيسة الحديث. هذه القصص تذكّر الأجيال الجديدة بأن الطريق إلى المستقبل لا يعتمد فقط على الدرجات، بل على الإرادة والانضباط والثقة بالله وحسن استثمار الفرص التي يمنحها الله.





