ثقافة وذاكرة

من أبلة فضيلة إلى أم كلثوم: سيرة جيل تربّى على نغم الزمن

تستعيد هذه القراءة زمن الراديو كجليس يربط البيت بذاكرة مشتركة، فليس الجهاز الخشبي الصغير مجرد جهاز صوت، بل إطار يضبط وتيرة اليوم ويمنح الوجدان مساحة للثقافة والتربية.

حين يفتح الفجر، كان صوت الشيخ محمد رفعت والمنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد يتردد كإيقاع يفتح القلب قبل العقول. ومع رشفات الشاي بالحليب يظهر صوت أبلة فضيلة بلطفه ليزرع في الأطفال حكايات وقيم تعيش معهمطويلاً، ثم يظهر عم فؤاد ليضيف بابتسامته فرحاً ينعش الوعي ويعطي للطفولة نكهة من الذكاء والفطرة.

كان هدف البرامج حينها بناء الإنسان وتثمين الكلمة كذهب. بين نبرات فؤاد المهندس وهو يوجه رسائله الساخرة والعميقة وبين ابتهالات النقشبندي التي ترتفع بالروح، يصبح الراديو رفيق الرحلة وواجهة ثقافة الأمة.

أما المساء فكان لهطابع مختلف: حين ينتقل المؤشر إلى أم كلثوم وهي تشدو، تتجمع القلوب خلفها في سهرة واحدة، ثم يعلو صوت عبد الحليم حافظ ليلامس مشاعر العشاق.

هكذا كانت البيوت تسهر على الفن، وتذوقه كخبز يومي يعين على تشكيل الذائقة. واليوم، مع ثورة منصات التواصل ووتيرة المحتوى السريع، يهبنا الحنين إلى زمن كان فيه الصوت يبني وطن القيم وتبث الحكايات دفء الجدران.

لا نريد البكاء على أطلال الماضي، بل نستخلص من ذلك الرصيد دروساً عن مصلحين وصانعي الوعي، فربما نستعيد بعض التوازن النفسي الجميل الذي تربينا عليه يوماً ما.

بقلم محمود عبد الراضي

زر الذهاب إلى الأعلى