المشروعات الصغيرة تعود إلى قلب السياسة الصناعية في مصر

في ندوة عقدت بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أشار وزير الصناعة خالد هاشم إلى أن ملف المشروعات الصغيرة والمتوسطة أصبح على رأس أولويات وزارته، ووصف أصحاب المصانع الصغيرة بأنهم الأبطال، معتبرًا أن حل 70٪ من مشكلاتهم كافٍ لحل معظم أزمات الصناعة المصرية. كما أكد أن قاعدة الصناعات الصغيرة والمتوسطة في مصر لا تتناسب مع حجم الدولة الذي يتجاوز سكانه 120 مليون نسمة، وأن هذا القطاع يمثل الحل الحقيقي لتطوير الصناعة الوطنية. وقال الوزير: «هقولها لكم بالبلدى كده.. أنا وزير صناعة، ولو حليت 70٪ بس من مشاكل الصناعات الصغيرة والمتوسطة فى مصر، وسيبت إيدى فى باقى الملفات، كل مشاكل الصناعة هتتحل بنسبة 100٪».
الرؤية التيطرحها الوزير تشي بذلك بأننا أمام تغير في كيفية التفكير بالصناعات المصرية، خصوصًا في مقارنة مع السنوات السابقة التي ركزت على جذب الاستثمارات الأجنبية والمشروعات العملاقة، بينما بقي آلاف المصانع الصغيرة تواجه تعقيدات التراخيص وتكاليف الإنتاج والتمويل وضعف الربط بينها وبين المصانع الكبرى والأسواق الخارجية.
كما أوضح أن الهرم الصناعي يجب أن يبدأ من قاعدة عريضة من المصانع الصغيرة ثم يتدرج إلى مصانع متوسطة، فشركات كبرى وصولًا إلى كيانات عالمية. ويطرح السؤال التالي: هل يكفي هذا التوجه لإعادة بناء القاعدة الصناعية أم أن الطريق مليء بعقبات تراكمت عبر السنوات؟
تجارب وأعباء يومية أمام المستثمرين الصغار
فتح التحقيق في الواقع باب الحوارات مع أصحاب مصانع وخبراء وممثلين للمستثمرين لرصد التحديات التي تعوق القطاع. يقول أحمد يحيى، صاحب مصنع لإنتاج قطاعات الألومنيوم الخاصة بمحطات الطاقة الشمسية، إنه واجه صعوبات منذ البداية في تخصيص الأرض بمدينة أكتوبر الجديدة، حيث اختفت غالبية الأراضي قبلطرحها وتلقّى عروضًا من سماسرة بأسعار مرتفعة، فبحث عن مطوّر صناعي آخر. ورغم تحسن ملف تخصيص الأرض عبر هيئة التنمية الصناعية ومنصة مصر الرقمية الصناعية، يرى يحيى أن القضاء على ظاهرة المتاجرة بالأراضي ما زال ضروريًا لكي تصل الأرض إلى المستثمر الحقيقي. كما أن أسعار الأراضي ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ما يزيد من الكلفة في بداية المشروع.
ويذكر أن إجراءات التراخيص استغرقت عدة أشهر، ثم ارتبطت بوجود حاجة لتدخلات شخصية من بعض المعارف حتى تُنجَز في أوقات أقصر. وفقًا لقانون التراخيص الصناعية الصادر عام 2017، فإن المدد الرسمية لإصدار وثيقة التأمين من المجمعة العشرية تصل إلى 14 يومًا من تاريخ استيفاء المستندات، وتبلغ عادةً نحو 26 يوم عمل لإصدار التراخيص الصناعية في الحالات غير المعقدة، بينما بقي التوصيل المرافق مجهدًا وتسبب في تأخير التشغيل رغم وجود مصنع داخل منطقة صناعية مخططة.
ويروي المهندس محمود عصام، النائب السابق بمجلس النواب ورجل أعمال في مرغم الصناعية وبرج العرب، أن صاحب المصنع الجديد يتعامل مع معارك قبل البدء بالإنتاج وأخرى أثناء التشغيل بسبب تعدد الجهات المعنية وتباين رسومها. ويؤكد أن المستثمر الصناعي يخوض صراعًا مفتوحًا بين الحصول على التراخيص وبعدها تشغيل المصنع، وهو ما يفاقم التكلفة والوقت والجهد المبذول.
السياسات والتمويل والتشبيك كما ترى الخبرة المستقلة
يشير سيف الله الخوانكي، المدير التنفيذي لمكتب مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) في مصر، إلى أن الدراسات التي أجراها المركز أظهرت أن السياسات الحكومية لا تزال تُعامل المصانع الصغيرة والمتوسطة والورش ككتلة واحدة، رغم اختلاف احتياجات كل فئة. فالمصنع المتوسط القادر على التوسع قد لا يتحمل الإجراءات نفسها المطبّقة على الورش الصغيرة أو المشروعات متناهية الصغر، وهو ما يحرم الاقتصاد من شركات ذات قدرة نمو حقيقية. يرى الخوانكي أن تطبيق قانون التراخيص الصناعية 2017 لم يحقق النتائج المرجوة بسبب مركزية الإجراءات وضعف البنية الرقمية وضرورة السفر إلى القاهرة لإتمام المعاملات، إضافة إلى أن كثير من المستثمرين يعملون خارج المنظومة الرسمية في مناطق صناعية غير مخططة، ما يصعِّب التوسع والتمويل والاستفادة من برامج الدعم، رغم وجود نشاط إنتاجي وفرص للتصدير.
ويؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في النظرة الرسمية إلى القطاع: يجب اعتبار المصانع الصغيرة قاعدة للنمو المحتمل وليست كتلة دائمة صغيرة، وهو ما ينعكس في السياسات وآليات الدعم وسبل التنمية. ويتحدث بعض من يرى الحلول في تعزيز شبكات التشبيك مع المصانع الكبرى، وتوطين سلاسل الإمداد من خلال تشجيع الشركات الكبرى على العمل مع موردين محليين وتوفير حوافز لتحفيز زيادة نسبة المكون المحلي، بما يخلق قيمة مضافة ويقلل الواردات. يذهب البعض إلى أن وجود شبكة من المصانع الصغيرة المحيطة بمصنع كبير أمر حيوي لبناء صناعة مستدامة وتوفير فرص عمل.
في سياق التمويل والتشبيك، يرى أحمد يحيى أن المبادرات التمويلية المتاحة لا تلبي احتياجاته في حال الرغبة في التوسع أو زيادة الطاقة الإنتاجية، فالمبادرات غالبًا ما تقدم بفوائد تصل إلى 15% وبعد الرسوم 17.5%، وهو ما يجعل التمويل بالنسبة للمصنعين الصغار صعبًا في مرحلة التوسع. كما يشير إلى أن تكلفة الحصول على شهادات الاعتماد الدولية والدخول إلى أسواق خارجية قد تكون عالية، إضافة إلىطول فترات الاختبارات الفنية في المعامل المحلية. المطالب ليست بدعم مباشر فوري، بل بنظام تمويلي واضح وظروف تسمح بمنافسة عادلة.
أما علاء السقطي، رئيس اتحاد مستثمرى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فيرى أن اختزال المشكلة في التمويل يعفي من تفهم المشكلة ككل، ويشدد على ضرورة وجود رؤية واضحة لمشروعات الصغيرة: ما الهدف منها؟ هل نريد مصانع كثيرة أم صناعات مغذية تخدم المصانع الكبرى وتقلل الاعتماد على الواردات؟ ويشير إلى أن التمويل يجب أن يُربط بخطة صناعية محددة تَحدِد الصناعات التي تحتاجها الدولة حقًا وتغذي سلاسل التوريد وتزيد القيمة المضافة. كما يرى أن التحول الرقمي كان يجب أن يكون أداة لتضمين الاقتصاد غير الرسمي، لا أن يتحول إلى عبء إضافي على المصانع الصغيرة.
وعلى مستوى الواقع العملي، يشير أحمد يحيى إلى أن مشكلة التكاليف لا تتعلق فقط بسعر الخام وتكاليف الشحن، بل بتفاوت الأسعار محليًا مقارنة بالأسعار العالمية. فمثلاً انخفاض الدولار وتراجع السعر العالمي للخامات لم يُترجم فوريًا إلى انخفاض في أسعار المواد الخام داخل السوق المحلية، وهو ما أضعف قدرة المصنعين الصغار على المنافسة محليًا وخارجيًا. كما يعاني بعض المصنعين من تكاليف إضافية مرتبطة بالحصول على شهادات الجودة والاعتماد الدولي وتكاليف الاختبارات، مما يضيف أعباء مالية إضافية على الشركات الصغيرة.
مع كل هذه التحديات، يجمع أصحاب المصانع والخبراء على أن المشكلة ليست في نقص المبادرات فحسب، وإنما في غياب منظومة متكاملة تتعامل مع المشروعات الصغيرة كقاعدة للبناء الصناعي. وتبرز أيضًا مشكلة القطاع غير الرسمي، حيث ترتفع تكلفة الالتزام بالمتطلبات كالفاتورة الإلكترونية وضريبة القيمة المضافة وتطبيقها، بينما تبقى الفجوة في الرقمنة والتشبيك بين المصنعين الصغار والشركات الكبرى أمرًا ملحًا. كما يبرز السؤال حول الجهة المسؤولة حاليًا عن إدارة هذا الملف: وزارة الصناعة أم جهاز تنمية المشروعات أم جهة أخرى؟ كل جهة تعمل بشكل مستقل تقريبًا، ما يعقد المسار ويضعف فرص التحول إلى قاعدة صناعية قوية وتقليل الاعتماد على الواردات.