البيروقراطية تعيق تطوير المدن: من شتوتجارت إلى باريس فالقاهرة

حين قطعتُ رحلةطويلة تربط بين مدن ثلاث، اندفع في ذهني تصور نمطي عن ألمانيا كدولة تُعرف بالدقة والانضباط واحترام المواعيد، فبدت الحياة كأنها تسير وفق جداول لا تتعثر. غير أن التنقّل في شتوتجارت كشف جانباً آخر من الصورة.
في مواقع عدة هناك أعمال بناء وصيانة للطرق والمحطات، وعند السؤال عن انتشار هذه الأعمال كان الجواب واحداً: الإجراءات والتصاريح وكثرة الجهات المشاركة في القرار.
بعد عودتي إلى القاهرة قرأت تقريراً يسلّط الضوء على أسباب تأخر المشروعات الكبرى في ألمانيا، فظهر أن ما شهده شتوتجارت ليس استثناءً بل جزء من أزمة يتناولها النقاش هناك. أمثلة التقرير شملت مطار برلين الجديد الذي استغرق 14 عاماً بدلاً من 5، ومحطة شتوتجارت التي لا تزال قيد الإنشاء بعد 16 عاماً، إضافة إلى قاعة إلبفيلهارموني في هامبورغ التي احتاجت 9 سنوات بدلاً من 3.
أرجع التقرير التأخيرات إلى تعقيد الإجراءات، وضعف التنسيق بين الجهات، وأخطاء التصميم، وكذلك نظام المناقصات الذي يفضّل السعر الأقل على حساب الكفاءة.
الأمر اللافت أن التقرير لم يبحث عن حلول داخل ألمانيا، بل أشاح بنظره إلى فرنسا. وهنا تذكرت باريس عندما وقفنا أمام كاتدرائية نوتردام، فوجدنا أن ترميمها اقترب من الإطار الزمني الذي أعلنت الحكومة الفرنسية بفضل وضوح المسؤوليات وسرعة اتخاذ القرار.
أما لتجربة مصر فبرزت مشروعات كبرى مثل العاصمة الجديدة ومدينة العلمين، التي شهدت انتقالاً سريعاً من التخطيط إلى وجود أحياء وخدمات خلال سنوات قليلة. هذا النموذج يستحق الدراسة عند مناقشة أثر سرعة اتخاذ القرار وتكامل جهات الإشراف والتنفيذ وتقليص الإجراءات في إنجاز المشروعات الكبرى.
بعد عودتي من شتوتجارت وباريس وصولاً إلى القاهرة، اقتنعت بأن إدارة المشروعات معيار حقيقي لقوة الدول. فالبيروقراطية قد تعوق التنمية حتى في أقوى الاقتصادات، بينما الإدارة الكفؤة تقصر سنوات الانتظار وتحوّل الخطط إلى واقع، وتحوّل الصحراء إلى مدن حديثة ذات رؤية واضحة وجداول زمنية محددة.