رياضة وسياسة

الميمز والتاريخ في مونديال 2026: كرة القدم تتحول إلى ساحة لتجاذبات قديمة بين الدول

مقدمة: تاريخ يعاد اكتشافه عبر كرة القدم

لم يعد التاريخ محصورًا في الكتب؛ بل صار حاضرًا على منصات التواصل أثناء مونديال 2026، حيث يستعيد الجمهور وقائع تاريخية من قرون مضت ويستخدمونها في معاركهم الرقمية ضد مشجعي المنتخبات المنافسة. تتجاوز التعليقات الساخرة من النتائج مجرد تقييم فني لتعيد لكرة القدم دورها كمنصة تعبّر عن ذاكرة الشعوب وتحوّل المباريات إلىطبقات من الماضي إلى جانب العشب الأخضر.

فرنسا ونابليون في ساحة التعليقات

تظل الإشارات إلى نابليون بونابرت حاضرة عندما يذكر الجمهور المنتخب الفرنسي، خصوصًا في سياق مباريات نصف النهائي ضد إسبانيا. تاريخ الحملة الفرنسية على مصر (1798) وانسحاب القوات عام 1801 يحضر كإطار تاريخي ليس لتقييم الأداء فنيًا، بل كعنصر استدعاء تاريخي يرافق التفاعل على منصات التواصل.

إنجلترا وذاكرة الاحتلال

تظهر في التعليقات إشارات إلى فترات الاحتلال البريطاني لمصر بدءًا من حملة فريزر عام 1807، ثم الثورة العرابية ووقائع الحصار والمعارك في الإسكندرية وكفر الدوار والقصاصين والتل الكبير. وتُشير الذكريات إلى وجود حماية بريطانية رسمية على مصر في 1914 ثم استقلالها في 1922، وتُعادطرح هذه المحطات في سياق تشجيع المنتخب الإنجليزي كجزء من الذاكرة الجماعية. وتنتشر في المنصات أيضًا مقاطع تُربط بين ماضٍ تاريخي ومشهد مباريات، مثل تصوير مشهد من فيلم مصري يربط بين الإنجليز وجدهم في سياق تشجيع إنجلترا.

إسبانيا والأندلس والدعم الفلسطيني

تُستدعى في التعليقات أبعاد تاريخية عن الأندلس، خصوصًا سقوط غرناطة عام 1492 والحالة التاريخية للإسلام في شبه الجزيرة. وعلى صعيد السياسة، يُشار إلى موقف مدريد المؤيد للقضية الفلسطينية، حيث دعت السلطات إلى وقف إطلاق النار، وزادت المساعدات الإنسانية، ووقفت أمام صادرات أسلحة لإسرائيل، كما اعترفت بدولة فلسطين ودعت إلى حل الدولتين وفق الشرعية الدولية. هذا المزج جعل وجود إسبانيا في الوجدان العربي يلتقط أبعادًا سياسية إلى جانب التاريخ الطويل.

الأرجنتين وجراح الماضي

بعد خروج المنتخب المصري من كأس العالم في مواجهة شهدت جدلًا حول التحكيم، دُفع النقاش نحو تاريخ مشترَك بين منتخبات أوروبا وتاريخ الحروب القارية. وفي سياق مغاير، ارتبطت مجردة كرة القدم بذكريات حرب فوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا عام 1982 وبالمباراة التي جرت في كأس العالم 1986 في المكسيك، خصوصًا مع إقرار مارادونا بارتباط تلك المباراة بذاكرة الحرب. واعتبر اللاعبون أن الحرب ليست مسؤولية اللاعبين وإنما حدث تاريخي يحفر في الذاكرة الوطنية، ومع ذلك بقيت المباراة من أبرز اللحظات التي رُبطت بالسياسة والتاريخ.

هل نستعيد التاريخ أم نستخدمه في معارك التشجيع؟

يطرح هؤلاء الخبراء سؤالًا حول الهدف من استدعاء التاريخ: هل هو فهمه أم توظيفه في معركة تشجيع؟ تقول الدكتورة هالة يسرى، أستاذة علم الاجتماع، إن استحضار التاريخ يُعد ظاهرة إيجابية بشرط أن يُستخدم لاستخلاص الدروس وبناء المستقبل، منبهة إلى عدم العزلة مع الدول التي شهدت صراعًا تاريخيًا. وتضيف أن مصر بلد ذو تاريخ عميق، ودعوتها للشباب إلى القراءة والبحث من أجل استثمار التاريخ كقوة لبناء المستقبل وليست كأداة عداء.

وجهات نظر في السياسة الدولية

يرى السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الاستحضار التاريخي في سياق تشجيع المنتخبات مفهوم من الناحية النفسية، لكنه لا يجب أن يُستخدم معيارًا للعلاقات الدولية الراهنة. فالسياسات الدولية تدور حول مصالح مشتركة، ولا وجود لأصدقاء دائمين أو أعداء دائمين. ويشير إلى أن ألمانيا وأوروبا بشكل عام تبقى جزءًا من علاقات أوروبا مع مصر، وأن العلاقات مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا تشهد تعاونًا اقتصاديًا وتعليميًا واسعًا إلى جانب الروابط التاريخية. كما يؤكد أن ربط الرياضة بالسياسة في هذه السياقات ليس منهجًا صحيحًا، وأن الرياضة يجب أن تبقى في إطارها الرياضي فقط.

خلاصة وتوجيهات عملية

تؤكد النصوص أن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون حافزًا للقراءة والبحث واستخلاص الدروس لبناء قدرات مستقبلية، مع ضرورة التزام الدقة وتجنّب تحويل المباريات إلى ساحة للصراعات القديمة. تبقى الدعوة إلى إبقاء الرياضة داخل إطارها وليس امتدادًا للنزاعات التاريخية أمرًا محوريًا.

زر الذهاب إلى الأعلى