موجة حر قياسية في أوروبا تودي بحياة أكثر من 14 ألف شخص وتضغط على المستشفيات

تفشّي موجة حر تاريخية في أوروبا وتأثيرها الحاسم
شهد يونيو 2026 موجة حر هي الأشد تاريخياً في تاريخ القارة، إذ تجاوزت درجات الحرارة في بعض المناطق 44 درجة مئوية، وهو ما أدى إلى ضغوط حادة على المستشفيات وخدمات الطوارئ مع ترقّب مستمر لتداعياتها الصحية.
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية ومرصد الوفيات الأوروبي إلى أن موجة الحر أدت إلى تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بها 14 ألف حالة بحلول منتصف يوليو، مع أن أكثر من 9 آلاف وفاة جاءت فوق المعدل الطبيعي بين من تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، وهي الفئة الأكثر ضعفاً أمام ارتفاع الحرارة.
أمثلة من دول أوروبا على وقع الكارثة
فرنسا سجلت حالات غرق لا تقل عن 48 منذ بداية الموجة، فيما لجأ كثيرون إلى مسطحات مائية غير مراقبة لتبريد أنفسهم؛ كما أودت الموجة بحياة أطفال صغار كانوا محتجزين في مركبات معرضة لحرارة الشمس في مشاهد مأساوية تكررت في دول عدة. وفي إسبانيا، ارتفعت الوفيات خلال أيام قليلة إلى أكثر من 300 حالة، بينما سجلت ألمانيا رقماً قياسياً بلغ 41.7 درجة مئوية.
تأثير شديد على الأنظمة الصحية والبنية التحتية
أدى الضغط المتزايد إلى انهيار أو شبه انهيار في أنظمة الرعاية الصحية وخدمات الطوارئ في مدن عدة. ففي باريس، سجلت الخدمات الطارئة أكثر من 25 توقفاً قلبياً خلال 24 ساعة، مقارنة بأعداد أقل بكثير في الأيام العادية، وهو ما اضطر السلطات إلى الإعلان عن تشديد الإجراءات وتخفيف بعض الفعاليات العامة. وفي المملكة المتحدة، بلغ عدد حالات الطوارئ المهددة للحياة التي استجابت لها فرق الإسعاف 642 حالة في يوم واحد فقط. كما اضطرت محطات الطاقة النووية الفرنسية إلى خفض إنتاجها بنحو 7% بسبب محدودية مياه التبريد، وهو ما زاد من أزمة الكهرباء خلال فترة حرجة من الصيف.
أسباب وتحديات البنية التحتية والوقاية
تبيّن أن غياب أجهزة تكييف شائعة في منازل كثيرة، إضافة إلى مبانٍ مصممة للحفاظ على دفء الشتاء وليست مبنية لمواجهة الحرارة الشديدة، يسهم في تفاقم المعاناة. كما ترتبط هذه الأزمة بما تعرفه المدن من “جزر الحرارة الحضرية” الناتجة عن الأسطح الخرسانية والإسفلتية التي تحبس الحرارة وتصعب الحصول على ظلال وراحة حتى بعد غروب الشمس.
تغير المناخ وتوقعات مستقبلية
يؤكد العلماء أن موجة يونيو كانت الأكثر شدة تاريخياً، وأن هذه الظاهرة لم تكن لتحدث دون تأثير تغير المناخ. فدرجات الحرارة فاقت المعدلات الموسمية بنحو 5 إلى 12 درجة مئوية نتيجة ظاهرة القبة الحرارية التي حاصرت الهواء الساخن فوق القارة. ومع ارتفاع درجة حرارة الكوكب بشكل عام، يلاحظ أن أوروبا تسخن بمعدل أعلى من المعدل العالمي، ما يجعل موجات الحر المبكرة أكثر شيوعاً وشدة في السنوات القادمة.
تحذير منظمة الصحة العالمية وخطط الاستعداد
أعلنت المنظمة أن المزيد من الأسابيع قد تكون أكثر دموية، مع توقع موجة حر جديدة فوق المحيط الأطلسي قد ترفع الحرارة إلى نحو 43 درجة مئوية في البرتغال وجنوب إسبانيا. ودعا المدير الإقليمي للمنظمة في أوروبا إلى إصلاح ما فشل في الأسابيع الأخيرة وبناء أنظمة صحية لا ترد على الحرارة فقط، بل تكون جاهزة لها، مع التأكيد على توفير الماء والظل ورعاية من هم الأكثر عرضة للخطر وتحديد يومآت عمل مستعدة خلال ذروة الحرارة. كما أشارت المنظمة إلى أن أقل من نصف الدول الأوروبية لديها خطط عملية لمواجهة موجات الحر، رغم أن وجود هذه الخطط أثبت فعاليته في حماية السكان.
خلاصة الوضع الحالي وتحديات المستقبل
بين الاستعداد والانهيار، يواجه القارة اختباراً وجودياً يتجاوز قدرتها على التكيف الحالية. فالمستشفيات مثقلة، والبنية التحتية هشة، والاستعدادات غير كافية، مع اعتبار تغير المناخ العاضد للجريمة الأكبر في تعزيز هذه الظواهر. هل ستستمع أوروبا إلى تحذيرات الصحة العامة وتتبنى إجراءات وقائية كافية قبل أن تصبح موجات الحر المقبلة أكثر فتكاً؟