د. مصطفى محمود والسد العالي: قراءة نقدية في إنجازات ثورة يوليو وآثارها

حين نمعن النظر في مسار ثورة يوليو 1952 وقيادتها، يظهر في كفّها وُجهان: إنجازات بارزة وتحديات كبرى واجهت الدولة. من أبرزها إيصال الجلاء العسكري البريطاني عن مصر في 18 يونيو 1956 وفق اتفاقية 1954، وهو جلاء كان هدفاً لطالما سعى إليه أجيال متتالية منذ أواخر القرن التاسع عشر. كما يبرز قرار تأميم قناة السويس والصمود في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، وهو انتصار وُصف بأنه كبير وعظيم.
على النقيض، تُذكر في الكفة المقابلة هزيمة عام 1967 وتحمّل عبد الناصر مسؤوليتها في رأي بعض المراقبين. وفي المجال التنموي، يُعد بناء السد العالي أبرز إنجاز داخلي للثورة، ويُشار إليه كأهم مشروع مائي وهندسي في القرن العشرين وفق تقارير الأمم المتحدة.
دلالات الإنشاء والتقييم السياسي-التاريخي
يتناول النص أيضًا تباينات الرأي حول أثر شخصية عبدالناصر والإجراءات التي ارتبطت بها، حيث يرى كاتب المقال أن هناك من يخلط بين كراهية الشخص ورفض ما تحقق على الأرض، وهو ما ظهر مع بعض القادة مثل مصطفى كامل وسعد زغلول ونحاس ومع عبد الناصر في فترات معينة، وإن اختلفت الأسباب والسياقات.
وفي سياق النقد الفكري والإبداعي، يذكر المقال أن الهجوم على السد العالي لم يتوقف عند مستوى الرأي العام، بل بلغ حد الدعوات لهدمه من بعض الأطراف. كما يورد إشارات حول ردود فعل أدبية وفكرية سارت في مسار نقدي حاد، وتجاوزت المواقف السياسية إلى تقييمات أدبية وفنية قدّمتها أعمال رومانسية ونقدية متعددة في تلك الحقبة.
المواجهة الأدبية لدور عبدالناصر والسد العالي
في عام 1979، أصدر الدكتور مصطفى محمود مجموعة قصصية بعنوان «المسيخ الدجال» اشتملت على مقاطع تتناول عبدالناصر ومشروع السد العالي، مع حضور أسماء أخرى شهيرة مثل نجيب محفوظ وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومنيرة المهدية، إضافة إلى إشارات إلى قضايا ومواضع ثقافية وسياسية. وتعرضت القصة الأولى من المجموعة، التي تحمل اسمها، إلى سلوك الدجال ونهاه في الدرك الأسفل من النار، مع سرد تعرّض فيه الشخوص والأحداث لسياقات دينية وسياسية وأدبية متداخلة.
يطرح النص تساؤلات حول مدى صحة ما ورد في تلك الرواية القصصية من أوجه مقارنة واقعياً، فبحسب المحتوى المنشور لم يتحقق ما ادعته بعض الأزمنة من ضربٍ للسد أو هجومٍ عليه بالجهاوز، كما يذكر أن افتتاح السد كان بعد وفاة عبدالناصر وأن السادات هو من ألقى كلمة الافتتاح في يناير 1971.
ويوضح المقال أن النقد الأدبي في تلك الفترة لم يقتصر على عبدالناصر بل تبعه نقدٌ لحقب لاحقة، فظهر ذلك في أعمال نجيب محفوظ مثل «اللص والكلاب» و«ثرثرة على النيل» وتوتّر النقد لدى توفيق الحكيم في مسرحياته ووعيه النقدي في أعمال مثل «السلطان الحائر» و«الورطة» و«بنك القلق»، وهو نقدٌ امتد أيضاً إلى ما بعد عهد عبدالناصر إلى عهد السادات ومبارك. كما يشير إلى كتاب حسين فوزي «سندباد مصري»، الذي وُجّه فيه نقدٌ لإغراق عبدالناصر في الاهتمام بالعروبة وتغييب الهوية المصرية، مع الإشارة إلى تاريخ صدور الكتاب ومجاله النقدي قبل فشل الوحدة في 1961.
يخلص المقال إلى التأكيد على أن النقد الأدبي يجب أن يفصل بين الشخص وصُنعه العام، وأن التقييم المشروع يظل مبنياً على المعايير الفنية والأدبية، لا على الهوى السياسي. كما يرى أن الدكتور مصطفى محمود كان أمام خيارٍ أوجبه حفظ المسار الإبداعي، وأن التوجه إلى سجالاتٍ صحفية وسياسية أدى إلى تراجع البريق الأدبي في عمله ذاك.
خلاصة الرأي: التمييز بين نقد الفرد ونقد منجزه هو الأساس في فهم إرث عبدالناصر ومكانة السد العالي، كما أن قراءة أعمال أدباء تلك الحقبة تبرز تفاوتاً في المواقف بين الدعم والمعارضة، وتظهر أهمية الاتزان بين المبدأ الفني والوقع السياسي.