ثقافة رقمية

من جوتنبرج إلى هنداوى: كيف تُتيح التقنيات الحديثة الوصول إلى تراث العالم باللغة العربية؟

منذ نحو عشرين عامًا وجدتُ بنفسي أمام تطبيق قراءة على جهاز الآي-باد يتيح تنزيل آلاف الكتب مجانًا في ميادين الأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد وسائر فروع المعرفة. تبين أن المصدر الأساس لهذه الكتب هو مشروع جوتنبرج، الذي أطلقه مايكل هارت في جامعة إلينوى عام 1971، وارتفعت شهرته تخليدًا لذكرى مخترع الحروف المطبوعة يوهان جوتنبرج.

دفعني الفضول لمتابعة هذا المشروع، فدخلت موقعه وتبين أنه يهدف إلى بناء مكتبة إلكترونية هي الأكبر في تاريخ البشرية، يمكن لأي مستخدم لها الوصول إلى مكوناتها مجانًا مع وجود جهاز حاسب وباتصال بالإنترنت. كما يوضح أن معظم المؤلفات غير محمية بحقوق النشر لأن مدة الحماية قد انقضت، وهناك أعمال أخرى متاحة مجانًا بتصريح من المؤلفين.حتى الآن أتاح المشروع، ويدار من مؤسسة غير ربحية تعمل لأجل منفعة عامة، أكثر من 78 ألف مرجع مجاني للقراء والباحثين من مختلف الدول.

تُطرح المراجع أساسًا باللغة الإنجليزية، لكنها تتوافر في أكثر من ثلاثين لغة، وإن لم تكن العربية ضمن هذه اللغات حتى الآن. ومع ذلك، توجد بعض مراجع التراث العربي والإسلامي مترجمة إلى الإنجليزية، وفي مقدمتها ألف ليلة وليلة. من خلال هذا الإطار تمكنت من تحميل مئات المؤلفات باللغتين الإنجليزية والفرنسية، بما في ذلك عيون الأدب العالمي من الإلياذة والأوديسة لهوميروس إلى الحرب والسلام لتولستوى، إضافة إلى أعمال تاريخية وقيمة عن تاريخ العالم والعرب، وكذلك آثار كبار الفلاسفة وعلماء الاجتماع.

السؤال الذي يفرض نفسه: أين نحن من هذه التجربة؟ وهل تستطيع الدول العربية، بما تملك من موارد بشرية ومادية، تيسير وصول قرّاء العربية إلى تراثنا القديم والحديث وحتى منتصف القرن العشرين، وهو ما يدخل ضمن المجال العام غير المحمي بقوانين حماية الملكية الفكرية؟ في بلادنا، حيث الدخول محدود وأسعار الكتب تفوق غالبًا ما يستطيع الشباب تحمله، هل يمكن أن يساهم الأغنياء بتبرعات بسيطة، وأن يشارك المتعلمون في المراجعة والإعداد، كما يفعل أقرانهم في الولايات المتحدة، لبناء مشروع مماثل بالعربية، أو على الأقل لإدماج الجهود العربية في مشروع جوتنبرج ليخدم التراث العربي والعالمي باللغة العربية؟

لا يمكن الوقوف أمام التطور الرقمي دون الإقرار بأننا لا نحافظ على اللغة العربية عبر التراجع عن التطور. المطلوب رؤية واعية ومبادرات صادقة تشجع العمل التطوعي وتوجيه التبرعات نحو أهداف تعزز المعرفة وتنتشر آثارها بين آلاف الناس، لتستمر الفوائد سنواتطويلة. وفي هذا السياق أذكر زيارة في يونيو 2014 للدكتور جابر عصفور بمناسبة عودته لتولي وزارة الثقافة، حيث عرض فكرة تبني الوزارة لمشروع مماثل أو الاستفادة منه، فاعتبرها فكرة جيدة وعرض تفويض رئاسة لجنة لتحقيقها، ثم اعتذرت لارتباطاتي وطلبتُ أن يتولى الشباب هذه المهمة، لكنها لم تشهد حتى اليوم خطوات جديدة من الوزارة في هذا الشأن.

أما التطور الإيجابي الملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة فهو الدور البارز لمؤسسة هنداوى غير الربحية، التي أسسها أحمد هنداوى في مصر وسُجلت لاحقًا في بريطانيا. المؤسسة أتاحَت أعدادًا متزايدة من إنتاج مبدعينا الفكرى مجانًا عبر الإنترنت بشكل بسيط وجذاب، وتضم اليوم أكثر من 33 ألف مؤلف، يغطي تقريبًا مؤلفاتطه حسين والمازني والمنفلوطي والعقاد وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وغيرهم. وتتجاوز أعمالها الأدبية من رواية ومسرح وشعر لتشمل الترجمات وكتب السير والفلسفة وعلم النفس والاقتصاد وقصص الأطفال وغيرها. يمكن لأي شخص تحميل ما يشاء بشكل شرعي، إما بسبب انتهاء حماية الملكية أو بفضل تبرع المؤلفين أو ورثتهم وتعاونهم مع المؤسسة.

في القرن الخامس عشر كان لجوتنبرج دور حاسم في نشر المعرفة بين الناس بعدما ظلَّت المعرفة محصورة في معابد ودواوين وجامعات. واليوم تتيح التقنيات الحديثة فرصًا كبيرة لنشر المعرفة بسرعة وبالمجان تقريبًا، لكنها تحتاج تعريفًا واحتفاءً وترويجًا في وسائل الإعلام والمدارس والجامعات. أحيانًا نجد مدارس متميزة تشكل داخلها نوادي قراءة تشجِّع الحوار وتوفر حضورًا للمشاركين من جميع الطلاب. من هذه الزاوية أرى أن هذه ربما تكون خطوتنا الأولى للاستفادة القوية من التطور التقني في نشر المعرفة للجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى