فى رثاء أكاديمى أمريكى عظيم!

رحل قبل أيام الدكتور جون إسبوزيتو، أحد أبرز الأصوات الأكاديمية الغربية التي فهمت الإسلام وعرفت به ودافعت عن القيم الإنسانية المرتبطة به. وبينما تشتد الضجيج حول عناوين مثل تجدد العدوان واهتمامات كروية عالمية، تبقى هناك وقائع لا يحفل بها كثيرون، لكنها تتعلق بأفضل من قدموا خدمات للإنسانية في عالم يفتقر إلى التعاطف والتسامح.

في زمن تزايد فيه تشويه الإسلام وتوجيه أقذع الاتهامات لمن ينتمون إليه، وقف الراحل دفاعاً عن الإسلام كدين عالمي وبرؤية ترفض ربطه بالعنف، معتمداً على علم وخبرة في مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا والصور النمطية التي تمر في وسائل الإعلام ونشر العناوين. كان يرى أن الصورة التي يراها الغربيون عن الإسلام يمكن أن تتغير عبر عرض نماذج إيجابية وتواصل حقيقي مع المجتمعات المسلمة.

تعرفتُ إليه عام 1994 في بوسطن أثناء منحة لدراسة الصحافة، حين جاء إلينا ليُلقي محاضرة عن الإسلام في أمريكا ويدير نقاشاً حول أحوال العالم الإسلامي بشكل عام. لم تكن تفجيرات 11 سبتمبر قد وقعت بعد، ولم يعلنها جورج بوش الابن حرباً صليبية، لكن الأكاديمي البارز الذي حصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية في عام 1974 كان يشعر بأن النار تحت الرماد تتوهج وتدعوه إلى اليقظة.

كان من أبرز ما قاله حينها إن الصورة عن المسلمين في الولايات المتحدة كانت سلبية، وهو كان يحث على التفريق بين تيارات إسلامية متشددة وتيارات أخرى تشارك في صناديق الاقتراع. أهدى لنا كتابه الأشهر آنذاك «التهديد الإسلامى.. خرافة أم حقيقة؟» الصادر عام 1992، الذي ناقش فيه محاولات لإحلال الإسلام محل التهديد الأكبر للغرب، ودافع عن الإسلام كدين عالمي يستهدفه أقلية متطرفة من أبنائه.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تصاعدت الحملة الإعلامية التي سعت إلى جعل الإسلام والمسلمين في سلة واحدة مع الإرهاب والتطرف. كتب وألقى محاضرات عدة، حتى أصبح أحد أبرز دارسي الإسلام من غير المسلمين، بحسب من كانوا تلاميذه، وتحديداً في شكل توجهات الدراسات الحديثة عن الإسلام والمجتمعات المسلمة في المراكز الجامعية الأمريكية. لكنه لم يكن مجرد باحث في برج عالٍ؛ فقد زار العالم الإسلامي وتواصل مع علمائه وجال في دوله، كما تكونت لديه علاقات شخصية مع قادة بارزين، من بينهم أنور إبراهيم، رئيس وزراء ماليزيا، الذي نعاه كعالم ومُنصف للإسلام.

لا أنسى عندما قابلته أنه انتقد علماء الإسلام في مصر والمراكز الإسلامية الكبرى لتراجعهم عن الاجتهاد ومواكبة العصر، قائلاً: «قارن بين ما قام به الشيخ الإمام محمد عبده وتلاميذه، وبين ما يجرى الآن. الاجتهاد ينسحب ويُخلى الساحة للتشدد».

زر الذهاب إلى الأعلى