قانون الملكية الفكرية

حكم النقض في قضية وزيرة الثقافة السابقة يفتح نقاشاً حول حدود الاقتباس وحماية الملكية الفكرية

أثار الحكم الأخير في قضية تتعلق باتهام وزيرة الثقافة السابقة بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية جدلاً حول حدود الاقتباس والفاصل بين الاستشهاد ونقل أجزاء من عمل قد يعتبر تعدياً على حقوق المؤلف. يطرح الخبراء إجابة لما يعنيه الحكم من حيث حماية المبدعين وتفسير الاستشهاد، إضافة إلى تطبيق القانون.

وجهة نظر الخبراء حولطابع الحكم وحدوده

د. فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، يرى أن الحكم القضائي في هذه القضية هو في الأساس حكم عادي يصدر في إطار تطبيق القانون، وهو ليس مختلفاً من الناحية القانونية عن أحكام أخرى تصدرها المحاكم. ويؤكد أن الأهمية تبرز حين يكون المتهم مسؤولاً في منصب وزاري، ما يمنح الحكم زخماً واهتماماً عاماً، ولكنه يظل في النهاية حكما قضائياً يطبق القانون ذاته. كما يشير إلى احتمال أن يكتسب الحكم وزناً كسابقة لاحقة في مساءلة مسؤول تنفيذي، غير أنه يبقى حكماً يصدر وفقاً لأدلة وقوانين.

من جانبه، يشير محمد عبدالمنعم، رئيس لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية باتحاد الناشرين المصريين ورئيس دار سما للنشر، إلى أن الأحكام القضائية تمثل «عنوان الحقيقة» وأن أي حكم يصدر بعد استنفاد درجات التقاضي يكون قائماً على أدلة وتقارير فنية تثبت صحة الوقائع محل النزاع. يضيف أن وجود تقرير خبراء اعتمدت عليه المحكمة يجعل الحكم يعكس ثبوت صحة الوقائع وفق ما قدرته المحكمة من أدلة. كما يرى أن هذه الأحكام ليست حماية استثنائية للكتاب، وإنما الحماية الحقيقة تأتي من القضاء المصري كضمان لصاحب الحق، مع ضرورة وجود دليل صحيح لإثبات الادعاء.

وفي شأن حدود الاقتباس في قانون الملكية الفكرية، يوضح عبدالمنعم أن القانون المصري لا ينص صراحة على نسبة محددة للاقتباس، وأن تقويم ذلك يخضع لسلطة المحكمة. كما يوضح أن التمييز بين الاستشهاد لأغراض علمية ونقل أجزاء جوهرية من المصنف يعد أمراً محورياً، وأن الاقتباس المقبول يجب أن يتم ضمن إطار الاستشهاد مع الإشارة الواضحة إلى المصدر الأصلي. ويؤكد كذلك أن مجرد إدراج المرجع ضمن قائمة المراجع لا يحسم وجود اعتداء على حقوق الملكية الفكرية، وأن الفصل في هذه المسألة يظل من اختصاص المحكمة استناداً إلى الأدلة المتوافرة.

التحديات التقنية ودور التكنولوجيا في حماية الملكية الفكرية

الدكتور سارة فوزي، أستاذة الإذاعة والتليفزيون والإعلام الرقمي في جامعة القاهرة، تشدد على أن حماية الإبداع لا تعتمد فقط على الأحكام القضائية، بل تتطلب أدوات وتقنيات تكشف الاقتباس وتُقارن التشابه بين الأعمال. وتلاحظ أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى المستخدمة في رصد الاقتباس والانتحال تتسم عادةً بالدقة في المحتوى الانجليزي مقارنة بالعربي، وهو ما يفرض ضرورة تعاون بين وزارات وتوجهات تكنولوجية ومجلس وطنى للذكاء الاصطناعى وكليات الهندسة والحاسبات، لتطوير برامج مصرية أو عربية رصدية تتسم بالدقة والسرعة. وجود أدوات موثوقة يساعد في حسم النزاعات بناءً على معايير علمية واضحة، بدلاً من الاعتماد على لجان فقط أو جدل حول وجود تشابه، خصوصاً مع المؤلفات الكبيرة.

أما الدكتور حسام لطفي، أستاذ القانون المدني وحقوق الملكية الفكرية وعضو لجنة إعادة النظر في الكتاب الثالث من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، فيعلق بأن القضية تكشف عن الحاجة لإعادة النظر في نظام الخبرة أمام المحاكم. يؤكد أن الخبير الذي تُعتمد تقاريره يجب أن يكون متخصصاً بدقة في موضوع النزاع، وأن المسألة لم تكن في حماية حقوق المؤلف فحسب بل في معايير الإشارة إلى المصادر في البحث، وهل يكفي ذكر المصدر داخل النص أم يجب في الهوامش مع علامات الاقتباس. كما يعيد التأكيد على ضرورة التخصص في القضايا وأن وصف «سرقة حقوق الملكية الفكرية» ليس دقيقاً كعبارة قانونية، فالوصف القانوني هو التعدي على حق المؤلف، سواء بنقل العمل كاملاً أو باقتباس أجزاء منه دون الإشارة الصحيحة.

إطار تشريعي مقترح والتطورات المرتبطة

يذكر النقاش كذلك وجود مسعى تشريعي من قبل النائبة آية عبدالرحمن لتعديل بعض أحكام القانون 82 لسنة 2002، بهدف مواجهة تزوير الكتب ودعم صناعة النشر والحفاظ على الاقتصاد الثقافي المصري. ويقترن ذلك بتغليظ العقوبات على جرائم تزوير المصنفات الفكرية، بما يشمل الحبس والغرامة التي قد تصل إلى مليون جنيه مع تشديد العقوبة عند التكرار. تمت إحالة مشروع القانون إلى لجان الشؤون الدستورية والتشريعية والتعليم والبحث العلمي بالتعاون مع لجنة الإعلام والثقافة والآثار لدراسته وتقديم تقرير.

الخلاصة أن الخبراء يؤكدون أن القضاء المصري يبقى الضمان الأساسي لصاحب الحق، ويؤكدون أن كل قضية لها ظروفها حيث تبنى المحكمة حكمها على الأدلة المقدمة، بما في ذلك تقارير الخبراء، مع الإشارة إلى أن الإطار التشريعي مستمر في التطور للنهوض بحماية الملكية الفكرية وتحديث أدواتها التقنية والقانونية.

زر الذهاب إلى الأعلى