ذهب السودان: إنتاج يقدر بنحو 199طنًا سنويًا بقيمة تفوق 26 مليار دولار وتدفقات التهريب تقوض الخزينة وتُجهّز لتمويل الحرب

ذهب السودان: إنتاج ضخم وتحديات التهريب تتحكم في مصير العائدات وتزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي
يمتلك السودان واحداً من أضخم احتياطي الذهب في القارة الأفريقية، ويأتي في مقدمة الدول المنتجة. ورغم أن التقديرات الرسمية تشير إلى إنتاج يفوق المئات من الأطنان سنوياً، فإن العائدات التي تدخل الخزينة العامة لا تعكس الحجم الفعلي للإنتاج، إذ ينتشر الذهب عبر شبكات تهريب وتتسع حصة السوق غير الرسمية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
كان الذهب يُنظر إليه في السابق كرافعة اقتصادية في ظل فقدان عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان، إلا أنه تحول إلى أحد أبرز ملفات النزاع ومصدر تمويل لشبكات التهريب المتداخلة مع مسارات التوريد عبر الحدود في البلاد.
إنتاج الذهب في السودان يقدر بنحو 199طنًا سنويًا، بقيمة تفوق 26 مليار دولار؛ إلا أن ما يذهب إلى الخزانة العامة يبقى أقل بكثير من إمكانات القطاع بعد أن فُقد جزء كبير من قيمة الذهب في قنوات غير رسمية. كما كشفت الأرقام الرسمية أن نحو 111طنًا من الذهب لا تدخل القنوات الرسمية، وتُقدر قيمتها بأكثر من 18 مليار دولار.
وفي المقابل، لم تتجاوز الإيرادات التي دخلت خزينة الدولة من الذهب خلال عام 2025 نحو 1.8 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية. وتظهر بيانات وزارة المعادن وبنك السودان المركزي انخفاض قيمة الصادرات الرسمية إلى نحو 909.5 ملايين دولار حتى سبتمبر 2025، مقارنة بأكثر من ملياري دولار خلال 2021، وهو ما يعكس اتساع نطاق السوق الموازية.
منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، ارتفعت أهمية مناطق الإنتاج كجزء من المشهد العسكري والاقتصادي، وأصبحت السيطرة على المناجم ومسارات نقل الذهب أحد عناصر تمويل أطراف النزاع؛ ذلك في ظل ضعف المؤسسات وتعدد الجهات المسيطرة على المناطق التعدينية. تقارير الأمم المتحدة وتقارير Swissaid أشارت إلى أن معظم الذهب السوداني يغادر البلاد عبر قنوات غير رسمية، وأن صادرات الذهب الرسمية لا تعكس الإنتاج الحقيقي وتنعكس سلباً على الاقتصاد الوطني بمليارات الدولارات سنوياً.
التعدين الأهلي يمثل نحو مصدر دخل لمئات الآلاف من الأسر، ولكنه يواجه انتقادات بسبب ضعف الرقابة واعتماد أساليب استخلاص خطرة كالزئبق والسيانيد وتحديات حصر الإنتاج الفعلي. تقترح الشركة السودانية للموارد المعدنية أن تتبنى الدولة توسعة التعدين المنظم عبر مراكز شراء رسمية وتحسين الرقابة وتحديث تقنيات الاستخراج، للحد من التهريب وتوسيع قاعدة الإيرادات عبر القنوات الرسمية.
على الصعيد الدولي، اتخذ الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 إجراءات عقابية تستهدف تجارة الذهب المرتبطة بالسودان، شملت حظر شراء واستيراد ونقل الذهب السوداني، مع منع تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان كجزء من جهود الضغط على شبكات تمويل الحرب.
رغم التقدم الذي أعلنت عنه الشركة السودانية للموارد المعدنية في النصف الأول من عام 2026 بتحقيق عائدات صادرات تفوق مليار دولار وتطوير الرقابة على المناجم ومنافذ التصدير، فإن القصة لا تزال متصلة بتقويض حجم الإنتاج بالطرق النظامية ورفع كفاءة التتبع والتصدير وتوفير بيئة أمنية مستقرة. يرى خبراء الاقتصاد أن استعادة السيطرة على الذهب لا تقف عند إجراءات أمنية فحسب، بل تتطلب اصلاحاً مؤسسياً يشمل حصر الإنتاج الحقيقي، وتنظيم التعدين الأهلي، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتحسين إجراءات التتبع والتصدير، بالإضافة إلى استعادة الاستقرار الأمني كشرط أساسي لإخماد الاقتصاد الموازي وتوظيف الذهب كرافعة لتعافي الاقتصاد السوداني.





