اقتصاد

من 71 مليون دولار إلى 39 تريليون: تاريخ الدين العام الأمريكي على مدى 250 عاماً

يقترب الدين العام الأمريكي من مستوى 40 تريليون دولار، مع احتفال البلاد بالذكرى الـ250 لتأسيسها، في مسار يعكس النمو المستمر للاقتراض الحكومي منذ نشأة الدولة، مدفوعاً بقوة الاقتصاد الأميركي وقدرته على تمويل ديونه عبر أسواق المال.

تتبع البيانات مسار الدين العام الأميركي منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى اليوم، وتعرض فترات الاعتماد على الاقتراض وأثر ذلك في قوة الاقتصاد مقارنة بباقي الاقتصادات الكبرى. ويبلغ الدين العام اليوم أكثر من 39 تريليون دولار، بعد أن كان نحو 71 مليون دولار في أواخر القرن الثامن عشر، وتصل الزيادة إلى نحو 55 ألفاً بالمئة في مسار تأثر بالحروب والأزمات المالية والصدمات الاقتصادية العالمية، ومع ذلك لم يمنع ذلك الولايات المتحدة من المحافظة على مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم.

تشير أحداث التاريخ إلى أن أول دين عام مسجل يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين عمل وزير الخزانة الأول ألكسندر هاملتون على توحيد التزامات الدولة بموجب قانون التمويل لعام 1790. وقد نتج ذلك الدين جزئياً عن الاقتراض من فرنسا والدائنين هولنديين لتمويل حرب الاستقلال، إضافة إلى الديون التي تحملتها الحكومة الفيدرالية عن الولايات المنفردة. ووصف هاملتون دين الثورة بأنه “ثمن الحرية”، مع التأكيد بأن الدين الوطني، إذا لم يكن مفرطاً، يمثل نعمة وطنية.

شكلت الحرب الأهلية الأمريكية نقطة تحول رئيسية، فكتبت تاريخ الدين حين تجاوز عتبة المليار دولار في 1863، وتجاوز الثلاثة مليارات دولار عند نهاية الحرب في 1865، بينما كان الدين لا يتجاوز 65 مليون دولار في 1860. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى في 1917، قفز الدين بشكل حاد، وتبعتها زيادة قدرها نحو عشر مليارات دولار بعد انهيار وول ستريت في 1929. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتترك أثرها الأكبر، فانتقل الدين من 43 مليار دولار في 1940 إلى أكثر من 250 مليار دولار بحلول 1945، وكانت تلك الفترة الأولى التي يتجاوز فيها الدين نسبة 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ثم بلغ الذروة نحو 119 بالمئة في 1946.

ومع استمرار النمو، ترافقت فترات أخرى مع انخفاض نسب الدين إلى الناتج المحلي في الثمانينيات بفعل النمو الاقتصادي القوي، إلا أن الدين تجاوز عتبة التريليون دولار لأول مرة في 1981 خلال رئاسة رونالد ريغان، ثم تضاعف الرقم خلال ثلاث سنوات ليقارب الثلاثة أضعافه بنهاية ولايته في 1989. وبعد أحداث 11 سبتمبر وحروب أفغانستان والعراق، زادت وتيرة الاستدانة عبر الإنفاق بالعجز، وفي الأزمة المالية 2008 تجاوز الدين عتبة العشرة تريليونات دولار. وبلغت جائحة كورونا ذروة هذا المسار بإضافة 4.2 تريليون دولار في 2020 وحده، في وقت استغرق فيه الوصول إلى أول تريليون قرنين، وثلاثة عقود للوصول إلى عشرة تريليونات، و14 عاماً إضافية لتجاوز الثلاثين تريليوناً.

تشير المعطيات الراهنة إلى احتمال وصول الدين إلى 40 تريليون دولار بحلول سبتمبر المقبل. ويُلاحظ أن الدين البالغ نحو 39 تريليون دولار يتجاوز دين أي دولة أخرى، إذ يأتي الدين الصيني بنحو 19 تريليون دولار في المرتبة التالية. وتدعَم مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية واعتبار سندات الخزانة الأمريكية من الأصول الأكثر أماناً، وهو ما يمنح واشنطن هامشاً أوسع للاعتماد على الاقتراض.

وفق صندوق النقد الدولي، تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي نحو 126%، وهي أقرب إلى مستويات مثل المملكة المتحدة وكندا والصين، وتظل أدنى من مستويات إيطاليا (حوالي 138%) واليابان (حوالي 204%). وفيما يتعلق بالمخاطر المحتملة، يرى بعض الاقتصاديين أن ارتفاع الدين إلى الناتج المحلي قد يقود إلى أزمة في مرحلة ما، فيما يرى آخرون أن الولايات المتحدة ما زالت بعيداً عن تلك المرحلة. كما حذر آخرون من أن استمرار ارتفاع الدين قد يؤدي إلى زيادة تكلفة خدمة الدين ورفع أسعار الفائدة، ما قد يعزز مخاطر حدوث أزمة مالية في المستقبل، وإن كان ذلك بعيداً في الأجل القريب. في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: إلى متى يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في الاعتماد على وتيرة الاقتراض الحالية دون تداعيات اقتصادية كبيرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى