not set

خصخصة فوق النيل

تخطط الحكومة لتعظيم العائد من الأراضي المملوكة للدولة المطلة على نهر النيل عبر وضع آليات شراكة مع المطورين، وتقدَّر قيمة هذه الأراضي الأولية بنحو 470.4 مليار جنيه. كما جرى إقرار سعر للمتر تتراوح قيمته بين 100 ألف و500 ألف جنيه عندطرح هذه الأراضي في إطار الشراكات.

لم يعد النيل مجرد مجرى مائي يقطع البلاد من الجنوب إلى الشمال، بل أصبح مصدر دخل قومي وأحد أهم الأصول الاقتصادية التي تسعى الدولة إلى تعظيم عوائدها من ضفافه.

تحول في قراءة ضفاف النيل وتاريخها البريدي

يمثل هذا المسار تحولًا جذريًا من التوسع في مشروع ممشى أهل مصر، إذ يرى البعض أن الفكرة لم تعد مناسبة بسبب الرسوم والتكاليف والضغوط التضخمية التي يعانيها المجتمع، لتعود الأذهان إلى فكرة يشار إليها باسم أبراج النيل، كما وردت في فترات سابقة خلال عهد حكومي سابق قبل عام 2011.

المشهد ليس وليد الإعلان الأخير فقط، بل يعود إلى سنوات سابقة حين دعا الرئيس الراحل إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص لبناء ما يشبه أبراج مانهاتن على ضفاف النيل. انتهت المحاولات في النهاية إلى حالة واحدة بسبب البيروقراطية، وتبقى أمثلة مثل برج الزمالك المعطل بسبب غياب جراج.

ممشى أهل مصر والجدل حول الوصول إلى النهر

بينما كان مشروع ممشى أهل مصر يهدف إلى إعادة المصريين إلى النيل كفضاء حضاري مفتوح، اقتصر التطور لاحقًا على فرض رسوم دخول في مناطق معينة ومحال ومطاعم، ما أثار تساؤلات عن تحويل حق الوصول إلى النيل إلى خدمة مدفوعة.

اليوم، تتكرر النقاشات حول تعظيم العائد المالي من الأراضي النيلية، فبينما ترى الحكومة أن الاستثمار قد يكون ضرورياً لزيادة الموارد، يصعب قبول أن الاستثمار ينجح فقط إذا حافظ على حق المواطنين في الوصول إلى النهر كفضاء عام بدلاً من كونه أصلًا استثماريًا خالياً من الاهتمام بحقوق السكان.

المعادلة ليست سهلة، إذ تريد الدولة موارد جديدة، وفي المقابل يطالب المصريون بأن يظل النيل فضاءً عامًا لا يجوز تهميشه مقابل الأسعار المرتفعة أو الشراكات. وحسب بيانات مجلس الوزراء، انتهت الحكومة من حصر جميع الأراضى المطلة على كورنيش النيل المستغلة وغير المستغلة، إلا أن المخططات التفصيلية لإعادة الاستغلال لم تُعلن بعد.

في إطار التنسيق الحضاري، سيُناط بتنفيذ هذه المهمات جهة بعيدة عن المزاجية وبإشراف وزارة المالية لضمان مظهر عام منسجم، مع التركيز على مفهوم المياه والخضرة كهدف رئيسي. ومع ذلك، يشير السيناريو المطروح إلى أن المطورين قد يحتاجون إلى آلاف الملايين لاسترداد الأرض والبناء، وربما يصل ارتفاع المشروع إلى نحو 80طابقًا لاسترداد التكاليف وتحقيق الأرباح.

المسألة تضع الأرض الخصبة على كورنيش النيل ضمن نطاق سوق عقاري قد يتزايد احتياجه للاستثمار، لكنها تثير تساؤلات حول ما إذا كانت القيمة الاقتصادية وحدها كافية أم أن هناك قيمة أخرى لا تُقدَّر بثمن، وهي أن يبقى النيل فضاءً عامًا يملكه كل المصريين وليس مجرد أصل اقتصادي يدر الأرباح، بما يسمح للجميع بالاستمتاع بضفافه، سواء للنزهة أو للسكن.

المعادلة الاقتصادية تطرح السؤال: هل ستكون قيمة ضفاف النيل المجرى الاستثماري الرئيسي أم أن هناك أبعاد اجتماعية وحقوقية تتقدم على ممرات الربح؟

زر الذهاب إلى الأعلى