سموم مغلفة: أغذية الرصيف تقودك إلى غرف الطوارئ وتُعرّي المخاطر الصحية

مشهد يومي يثير القلق الصحي في الأسواق الشعبية
تدوّق أصوات الباعة مع ضجيج المارة أمام محطات المترو والأسواق الشعبية، حيث يفترش باعة الأرصفة الأرض ويرصّون أمامهم علب البسكويت الملونة وأصابع الشيكولاتة المغلفة بعبوات لامعة. الأسعار تبدو مغرية وتناسب جيوباً مثقلة بالغلاء، ما يجذب الأطفال والطلاب الباحثين عن كِسْرة حلوى بسيطة.
في جولاتٍ بمنطقتي العتبة والسيدة زينب، يعلو صوت الباعة بعبارة: «الثلاثة بعشرة.. دوق قبل ما تشترى» دون وجود معيار للجودة يقيّمها بحسب تاريخ الإنتاج فقط، وبالتوازي يُشار إلى أن المعروضات تتجاور على الأرض في عربات وبضائع قد تكون مجهولة المصدر وبعضها يقترب من تاريخ انتهاء الصلاحية.
على امتداد الأرصفة في السيدة زينب وميدان رمسيس، تتحول الطاولات الخشبية إلى مساحاتٍ تعرض علب الحلوى والعصائر وحتى الألبان. عبارة «أى نوع بخمسة جنيه» تتردد كعنوان ثابت للمشهد، وتتخللها منتجات مقلّدة لعلامات تجارية شهيرة وتُطبع عليها تواريخ إنتاج وأسعار واضحة، أحياناً مع غياب تاريخ الانتهاء عن بعض العبوات.
الأثر الصحي والتحذيرات من الخبراء والجهات الرقابية
تشهد البسطات إقبالاً ملحوظاً بسبب مواقعها الحيوية أمام المحطات والمدارس والميادين، رغم أنّ هذه الأغذية مغلفة لكنها تخضع لظروف تخزين «وحشية» سواء تحت أشعة الشمس أو في أزقة رطبة. باحثون وخبراء يربطون هذه الظروف بتأكسد الدهون وتحولها إلى مواد قد تفقد قيمتها الغذائية وتتحول إلى عبءٍ كيميائي على الجسم. كما يلفت بعض المحلّلين إلى أن بعض المصانع غير المرخصة تستخدم مواد خام رديئة وألواناً صناعية، فيما يُلاحظ تلاعب بتواريخ الإنتاج والصلاحية من أجل الإبقاء على شكل السلع المشابهة للماركات العالمية.
وتؤكد شهادات أشخاص تعرضوا للمخاطر أن بعض المنتجات المقلّدة والجاهلة المصدر قد تكون سبباً في أعراض صحية حادة، مثل القيء والإسهال، عندما تتجاوز التخمينات السعرية حدود السلامة. وتروي سميرة فريد قصة مؤثرة بعد تناولها لثلاثة أكياس من بسكويت مجهول المصدر أمام محطة مترو: «دخلت عليّ أعراض النزلة المعوية الحادة وتعبت جداً» وتضيف أن الباعة يستغلون حاجة المواطنين وغياب الرقابة على الأسواق.
شهادات خبراء الصحة والمستهلكين والنتائج الرقابية
تؤكد الدكتورة سعاد الديب، رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك، أن الغش التجاري منتشر عالمياً خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية، وأن هناك فرقاً بين السلع المغشوشة والمقلدة والمنتجات غير الصالحة. وتشير إلى أن إدارة الأسواق تتعاون مع الأجهزة المختصة للوقوف على الشكاوى، وتؤكد أن عدم الوعي يدفع البعض لشراء سلع رخيصة على حساب الصحة، وتدعو إلى عدم الشراء من متاجر تجهل مصدر السلع.
وتشير الدكتورة غادة الصايغ، أخصائية التغذية العلاجية، إلى أن أطعمة الرصيف قد تحمل أضراراً جسيمة بسبب سوء التخزين وتلوثها بالبكتيريا، وتُسبّب تسممات أو مشاكل هضمية خاصة لدى الأطفال وكبار السن، كما يمكن أن تتسبب في آثار بعيدة المدى كالتهابات المعدة وتراكم مواد ضارة في الجسم بسبب الزيوت غير الصحية وتلوّث المكونات الملونة.
أما الدكتور ياسر شويتة، الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، فيوضح أن الأغذية المعروضة على الأرصفة غالباً ما تكون مجهولة المصدر وتباع بأسعار أقل بسبب غياب المعايير والرقابة. كما يدعو إلى شراء السلع من مصادر موثوقة وعدم الاعتماد على الأسعار الرخيصة كمعيار السلامة.
ويؤكد الدكتور كريم العمدة، خبير اقتصادي، وجود صناعة غذائية غير رسمية تحت بير السلم ترتكز على منتجات مخبوزة أو شوكولاتة وبهذا تكون غير مطابقة للمواصفات، ما يجعل الأسواق أرخص لكنها أكثر خطورة من حيث الجودة والسلامة.
من جهة أخرى، يحث محمود العسقلانى، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، على وعي المستهلكين وتفضيل السلع من مصادر موثوقة، مع الإشارة إلى وجود مخاوف من وجود منتجات منتهية الصلاحية وترديد شعار ثقافة الشراء المضمون كخط دفاع أول ضد الأغذية المغشوشة.
وفي سياق الاستعدادات الرقابية، يبرز استشهاد الدكتور أحمد حسين الدسوقى، استشارى التغذية العلاجية، بضرورة تعزيز الرقابة من هيئة سلامة الغذاء وتخصيص وسائل حفظ مناسبة للباعة في الشارع، مثل ثلاجات، لضمان التخزين الأفضل وتجنّب التلف.
أرقام وتدابير على مستوى الجمهورية
تشير أحدث تقارير المركز الإعلامى للهيئة القومية لسلامة الغذاء إلى تنفيذ حملات تفتيش واسعة في محافظات متعددة خلال سنة 2025، شملت المرور على آلاف المنشآت الغذائية، وأسفرت عن ضبط وإعدام كميات من المواد الغذائية المنتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر. وتشير البيانات إلى وجود ٩،٤٣٦ حملة رقابية، وتفتيش على ١٢٢٠٩٧ منشأة، وأسفرت عن تحرير ٣٠٥١٦ محضراً لمخالفات متنوعة من بينها غياب الإعلان عن الأسعار وتداول سلع منتهية الصلاحية.
وتؤكد النتائج وجود وجودات خاصة في محافظات الغربية والمنوفية وكفر الشيخ وأسوان خلال جولات الرقابة، مع إعدام ووقف تداول عدة سلع غير صالحة للاستهلاك الآدمي وتوثيق المخالفات من قبل لجان الهيئة المختصة بالتعاون مع الأجهزة المعنية، وهو ما يعكس تزايد المخاطر المرتبطة بأغذية الرصيف في السوق المحلي.
خلاصة وتوصيات عملية للمستهلكين
المستخلص من هذه الوقائع يركز على ضرورة وعي المستهلك بخطورة شراء السلع من الأرصفة، خصوصاً تلك المعروضة بأسعار منخفضة وبعبوات مقلّدة أو غير واضحة تاريخ الإنتاج والصلاحية. يوصى بالتسوق من مصادر موثوقة وتجنب المنتجات المجهولة المصدر، والاعتماد على تعليمات الجهات الرقابية في تشغيل الأسواق، واتباع مبدأ التحقق من تاريخ الإنتاج والانتهاء قبل الشراء. كما يشير الخبراء إلى إمكانية تخصيص مناطق عرض آمنة للباعة دون الإضرار بالمتسوقين وتوفير وسائل حفظ مناسبة للصلاحية والتخزين.





