نساء النوبة في أسوان يواصلن الحفاظ على التراث عبر المشغولات اليدوية ويروين قصص كفاحهن

حرف تراثية حية على أرض أسوان
في قلب السوق السياحي بمدينة أسوان، تتصدر أصوات الزوار وروائح البخور ألوان الحرف التراثية، حيث تجلس سيدات النوبة منذ ساعات الصباح الأولى لإعداد وبيع منتجات مصنوعة بأيديهن وبحب، في سعي للحفاظ على إحدى أقدم الحرف التي توارثها المجتمع النوبي عبر الأجيال.
لا تعتمد خبرات المرأة النوبية في البيوت على خطوط إنتاج حديثة أو ماكينات؛ فالإنتاج يعتمد على مهارات اكتسبوها منذ الطفولة حين كانت الأمهات والجدات يعلمن الفتيات أسرار الحرفة، وهو ما يجعل الحرفة مصدر رزق لعدد من الأسر وسبيلاً للحفاظ على الهوية الثقافية لمحافظة أسوان.
تنوع الحرف ونبض الهوية
يطرح السوق مجموعة من المنتجات المتنوعة، مثل الحقائب اليدوية والمشغولات المصنوعة من الخرز والسلال المصنوعة من الخوص والإكسسوارات والعرائس التراثية والمفروشات المطرزة، جميعها تحمل لمسات نوبية أصيلة مستمدة من البيئة المحلية وتتناغم ألوانها مع أجواء القرى النوبية.
التحديات وتقدير الحرف اليدوية
رغم المنافسة الشديدة مع المنتجات المصنّعة آلياً، تظل الحرف اليدوية النوبية في موقع القوة والإصرار، فالمشغولات التي تصنعها السيدات تحمل قيمة لا تضاهيها آلية، خاصة مع إقبال السياح على القطع التي تحمل روح المكان وتفاصيله.
نماذج من تجارب نساء النوبة
إقبال حسين من جزيرة سهيل تشرح أن صناعة المشغولات اليدوية جزء من حياة المرأة النوبية، وتؤكد أنها تعلمت الحرفة منذ الطفولة على يد والدتها وجدتها، وتؤكد أن كل قطعة تحتاج وقتاًطويلاً لأنها تعتمد كلياً على العمل اليدوي من الخامات حتى التشطيب النهائي، ما يجعل لكل منتج قيمة خاصة.
وتشير إلى أن الزائرين الأجانب يقدّرون قيمة العمل اليدوي ويطرحون أسئلة حولطريقة التصنيع وقصة كل منتج، وهذا الاهتمام يمنح السيدات شعوراً بالفخر ويساهم في تقديم جزء من تراث النوبة للعالم. كما دعت إلى إقامة مزيد من المعارض ومنافذ البيع داخل المحافظات وخارجها، إضافة إلى دعم التسويق الإلكتروني لضمان وصول المنتجات إلى أسواق جديدة وزيادة الدخل.
ومن أهالي النوبة، قالت بدرية عبده حسين إن الحرفة ورثت عبر الأجيال وكانت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية داخل البيوت النوبية، حيث كان النساء يصنعن احتياجات المنزل ثم تحولت الصناعات إلى منتجات تراثية تلقى قبولاً من الزوار. وتؤكد أن الحفاظ على الطابع النوبى في كل تصميم—including الألوان والزخارف والخامات—مسئولية المجتمع الحرفي حتى يصل التراث إلى الأجيال الجديدة، وتُبرز أن الحرفة أصبحت مصدر دخل مهم لربات البيوت، وأن ارتفاع أسعار الخامات وتراجع حركة البيع في بعض المواسم يمثلان تحديات حقيقية.
كذلك توضح كريمة بكار، أسوانية نوبية، أن المشغولات اليدوية ليست فقط مصدر رزق بل هي هوية شعب وتاريخ من الإبداع؛ عند شراء السائح جزءاً من عملنا اليدوي يبقى جزء من ثقافة النوبة وتاريخها، لذا نحرص على جودة الصناعة وإتقانها. وتؤكد أن كثيراً من السيدات يعتمدن على هذه الحرفة كقوة اقتصادية مستقلة، وتطالب بفتح منافذ تسويق حديثة وربط الحرفيات بمنصات التجارة الإلكترونية لتصل المنتجات إلى أسواق متفرقة.
رغم التحديات الاقتصادية، تواصل نساء النوبة مشوار الكفاح يومياً داخل السوق السياحي، محملات بتراث يمتد لعقود، متمسكات بعدم اندثار الحرفة التي شكلت جزءاً من هوية المجتمع النوبى، ومؤكّدات أن الحفاظ على التراث ليس مجرد كلام بل عمل ونقل خبرة من جيل إلى آخر. فهذه التجارب تشكل مثالاً حياً على قدرة الإنسان على تحويل التراث إلى قوة اقتصادية وثقافية في آن واحد، وتكشف كيف يحكي كل منتج قصة مكان وحضارة تلك المنطقة.