أرض الملاعب في أسيوط تتحول إلى مستودع خرساني وتبرز قراءة «نحن نستطيع» في سياق الحوكمة والإتقان

في أسيوط تتوسط المدينة قطعة أرض واسعة كانت متنفساً للشباب لإطلاقطاقاتهم وممارسة كرة القدم، لكنها تحولت إلى مستودع خرساني، وهو تحول ناتج مما جادت به «شوطة» الاستثمار العقاري المتوحشة.
لا تفارقني هذه الصورة ونحن نتحدث عن حالة «نحن نستطيع» التي واكبت مسيرة المنتخب ووصوله إلى الأدوار الإقصائية، بل وأدى مباريات بجودة لم نعرفها من قبل، في ظل ذكريات مريرة لسنوات عن فريق لا يذهب إلى نصف ملعب المنافس إلا قليلاً.
في استثمار حالة «نحن نستطيع» كي تنصرف إلى أشكال الحياة كافة، توجد رؤية عن الحوكمة والشفافية والإتقان، وليس من شروط الحالة إدارة الحياة بمنطق عقاري أو العداء للملاعب الخضراء المفتوحة أو حشر التلاميذ في مبانٍ بلا ملاعب، والتلقين في فصول الحفظ والتلقين. وتتأسس على مجموعة من المبادئ التي تكرسها القناعة بأن التقدم لا يتأتى إلا من خلال منظومة عمل متكاملة.
تتلخص الشروط في النقاط التالية
- تكافؤ الفرص: لا يمكن لمجتمع أن ينهض ويستغل حالة انتشاء وطني لفعل أمر ما للحاق بركب التقدم، سوى بشعور المواطن أن الفرص تُمنح بناء على الجدارة والاستحقاق، واليقين بأن المحسوبية هيطريق النهاية لأى عاطفة وطنية متوهجة ترغب في الإنجاز.
- تهيئة المناخ: آفة حارتنا أن الكلام حول أفكار التطور كثير، لكنه لا يبارح الألسنة لأن هناك من يجهض أى مسعى لتهيئة المناخ من أجل تلك الغاية، فصار كل صاحب أي مشروع أو فكرة مثل سيزيف الذي يدحرج الصخرة صعودًا إلى الجبل فتصطدم في النهاية بعوائق متكررة، فتنزو قوة الدفع وتتحول إلى تراكم في خانات العصيان على التغيير.
- هجران الفهلوة: لا تُعلم مدارسنا ثقافة الإتقان بل تكرس الفهلوة بكل اعتزاز، فاجتياز المراحل الدراسية يتحول إلى أمور بعيدة عن الإتقان، وتغيب فكرة الجودة لصالح مسائل أخرى، حتى أن مفهوم الشطارة صار له تفاسير كثيرة لا تشمل الكفاءة، بل التشجيع على التخطي للقواعد والمعايير بلا خجل.
- التحلُّل من الأبوية: الأبوية جزء أصيل من قضية وطننا، لكنها تخلق حالة من الاتكالية بأن ينتظر الناس الحلول من الأعلى، رغم أن ألف باء التقدم هو مشاركة فاعلة من المواطنين، وأن الحلولطريقها الطبيعي هو الاستيعاب لأصحاب الرؤى المبتكرة بما يحملون من حس نقدي غير تقليدي، فلا وقت هنا للتملق أو النفاق، والقيمة لا تقاس بالولاء بل بالمعرفة والإتقان.
- البعد عن الشعارات: في وطن عاطفي لابد أن نحتاط حتى لا نغرق في «الشعارية» وتؤدي الحماسة إلى الوهم، فالتطور المطلوب يتطلب خطة واضحة وجداول زمنية وصرامة في التنفيذ، فالجماهير تفقد الثقة سريعاً حتى لو كانت اللحظة الوطنية الجمعية قوية ونادرة، وتقارن بين ما يقال وما يُنفذ على أرض الواقع، و«الميدان يا حميدان» كما يقول المثل العربي الدارج.
- الإخلاص للمشروع: للنجاح رفيق أصيل وهو الإخلاص، فدون ذلك يصبح أي قرار أو خطة حَرثًا في البحر، فالإيمان مقترن بالإنجاز وأحيانًا بالإعجاز، والتجرد ونكران الذات حتميان وليسا خيارين، فهنا تعلو المصلحة العامة على المكاسب الشخصية والمصالح الضيقة، وكثيراً ما أُهدرَت فرص تاريخية بسبب معاداة الإصلاح.
نحن نستطيع.. بالصدق والإخلاص والتعلم من تاريخ الأخطاء، فَلحظات الانتشاء الوطني فرصة ذهبية، لا ينبغي أن يتم تضييعها وسط صخب الاحتفاء والاحتفال!
مقال رأي

