الأفكار الخاطئة والسياسات الموروثة وراء الأزمات الهيكلية في مصر: قراءة تحليلية مع خطوات عملية

عرضت ورقة بحثية للدكتور محمود محيى الدين بمشاركة الدكاترة أميرة الشال وإيمان مصطفى وحنان سالم خلال المؤتمر السنوى لمنتدى البحوث الاقتصادية، وتذهب إلى أن الأزمات الاقتصادية المتكررة فى مصر ليست مجرد انعكاس لصدمات خارجية أو أحداث طارئة، بل هى نتيجة لتراكم سياسات وممارسات مؤسسية يصفها الباحثون بـ«الأفكار السيئة» التى استمرت لعقود وأفضت إلى اختلالات هيكلية مزمنة.
تستعرض الورقة تجربة التخطيط المركزى والتأميم التى بدأت منذ خمسينيات القرن الماضى وتوسعت خلال الخطة الخمسية الأولى (1960–1965)، وتبيّن أن التوسع فى الملكية العامة أدّى إلى بروز قطاع عام ضخم تزامن مع ضعف كفاءة الأداء، وتعقيد بيروقراطى، وغياب آليات فعالة للمساءلة، وتراجع قدرة هذا القطاع على الاستجابة لمتطلبات السوق. النتيجة كانت هبوطاً فى الإنتاجية وتدهوراً فى جودة السلع والخدمات وسوء تخصيص الموارد لصالح مشاريع غير كفء، كما أدى غياب المنافسة إلى إضعاف الابتكار والحد من نمو القطاع الخاص.
تستشهد الورقة بتقرير للبنك الدولى عام 1987 الذى ربط تدهور الوضع الاقتصادى بدور القطاع العام، مشيراً إلى عجز مالى متزايد وضعف الادخار وانخفاض عوائد الاستثمار وارتفاع العبء على الموازنة العامة، إلى جانب مساهمته فى زيادة الدين الخارجى. ومع ذلك تشير الورقة إلى استمرار دور الحكومة الواسع فى المشروعات الكبرى والشركات المملوكة للدولة والاستثمارات الكبرى بالبنية التحتية، محذرة من أن استمرار هذا التوسع قد يسحب موارد من قطاعات أكثر إنتاجية ويطيل أوجه عدم الكفاءة.
كحصيلة لمرحلة الانفتاح الاقتصادى التى بدأت فى سبعينيات القرن الماضى، تذكر الورقة أن التحول الأولى حقق نتائج ملحوظة فى معدل النمو الحقيقى للاقتصاد (فوق 8% بعد 1977 مقابل نحو 3% عام 1973)، وانخفاض عجز الميزان السلعى والخدمى مؤقتاً، وزيادة فى بعض الإيرادات والاستثمارات. إلا أنها تؤكد أن هذه المكاسب لم تكن مستدامة لمعالجة مشكلات الفقر والبطالة والاختلالات التجارية بشكل جذرى. مع دخول الثمانينيات عادت مشكلات التضخم وضعف خلق فرص العمل، وقادت سياسات الانفتاح التى اعتمدت على استثمارات كثيفة رؤوس مال مرتبطة بالخارج إلى ضعف بناء قاعدة إنتاجية محلية وتنمية رأس المال البشرى.
تعرض الورقة أمثلة مقارنة: الهند التى اتجهت منذ تسعينيات القرن الماضى نحو تحرير اقتصادى وخصخصة وانفتاح على الاستثمار الأجنبى، وفيتنام التى انتقلت من اقتصاد مخطط إلى سوق موجه للتصدير والاستثمار الخاص، باعتبار كلتا التجربتين نموذجان لإمكانات دور الدولة الداعم بدلاً من الدور المسيطر. وتقارن أيضاً بتجارب سلبية مثل الأرجنتين فى التسعينيات لتوضيح مخاطر الانفتاح غير المتوازن.
على الصعيد المالى، تحلل الورقة ما تسميه «قصر النظر المالى» حيث كانت الحكومات تلجأ لخفض الاستثمارات العامة فى البنية التحتية والتعليم والصحة أثناء ضغوط الميزانية بدلاً من معالجة بنية الإنفاق الجارى غير المنتج (مثل فاتورة الأجور المدفوعة بالدولة أو دعم غير موجه)، وهو ما قد يعطي وفورات مؤقتة لكنه يقوّض النمو طويل الأجل. وتشير إلى تزايد الاعتماد على الاقتراض لتمويل العجز، مع وصول الدين العام إلى مستويات مرتفعة تتجاوز 90% من الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2021، مما جعل جزءاً كبيراً من الإيرادات مخصصاً لخدمة الدين بدلاً من الإنفاق التنموى.
كما تتناول الورقة قضية دعم الطاقة، وتعرضها كأداة كانت تهدف لتحقيق أهداف اجتماعية وتنموية لكن تحولت إلى عبء مالى كبير يشجع الاستهلاك المفرط ويضعف الدوافع للاستثمار فى الطاقة المتجددة. وتذكر أن الدعم استحوذ فى بعض الفترات على ما يقرب من خُمس الموازنة العامة، وأن قيمة دعم المنتجات البترولية وصلت فى عام 2012 إلى نحو 120 مليار جنيه (ما يعادل 6.2% من الناتج المحلى الإجمالى). وتثمن الورقة جهود ترشيد الدعم منذ 2013، مع التشديد على ضرورة توجيه وفورات الدعم نحو شبكات الحماية الاجتماعية والدعم النقدى للفئات الأكثر احتياجاً، والتوسع فى مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستخدام.
مقاربات عملية مستمدة من الورقة
- إصلاح الإنفاق الجارى غير المنتج بدلاً من تقليص الاستثمار العام فى البنية التحتية والتعليم والصحة.
- توجيه الاقتراض إلى مشروعات ترفع الإنتاجية وتحقق عائداً اقتصادياً بدلاً من استخدامه لتمويل عجز التشغيل.
- إعطاء أولوية للاستثمار فى التعليم والصحة والبنية التحتية كركائز للنمو طويل الأجل.
- الاستمرار فى إصلاح دعم الطاقة تدريجياً مع تخصيص جزء من الوفورات لشبكات الحماية الاجتماعية والدعم النقدى للفئات الفقيرة.
- التحول من نهج دولة مُسيطر على النشاط الاقتصادى إلى دور داعم يسهل نمو القطاع الخاص والابتكار.
تؤكد الورقة أن معالجة الأزمات المتلاحقة تتطلب إصلاحات مؤسسية وسياساتية جذرية وليس مجرد إجراءات قصيرة الأجل للاحتواء. وترى أن دروس تجارب دول مثل الهند وفيتنام توضح أن دور الدولة يجب أن يكون داعماً ومحفزاً للنشاط الخاص والبناء المحلى للمنتجات والقدرات البشرية، بدلاً من السيطرة الواسعة التى قد تكرّس عدم الكفاءة وتحد من النمو.