سياسة واقتصاد

فصل الدولة عن السلطة العامة وتحديد حدود تدخل الحكومة في الاقتصاد

كثيراً ما يطرح الحديث عن ما يجب أن تقوم به الحكومة أسئلةٍ حول ما لا ينبغي أن تفعله، ويؤكد الكاتب أن محور التفكير ليس فيما يجب أن يُنجزه فقط، بل في حدود دور السلطة العامة في مصر. فالدولة مفهوم شاملاً يضم الشعب والإقليم ومؤسسات الحكم وسيادة القانون، وهي التي تبقى بينما تتبدل الحكومات والسياسات. أما السلطة العامة فهي الجهة التي تدير الشأن العام وتُمارِس الوظائف التنفيذية والتنظيمية والرقابية باسم الدولة.

فهم الفرق بين الدولة والسلطة العامة

القول بأن الحديث عن حجم النشاط الاقتصادي أو حدود التدخل أو أولويات الإنفاق يتعلق بالسلطة العامة وليس بالدولة ليس مجرد ضبطٍ للمصطلحات، فهو شرطٌ لفهم النقاش نفسه. فالنقد الموجه لأداء السلطة العامة لا يعني تراجع الدولة، كما لا يجوز الاستناد إلى هيبة الدولة لتبرير توسيعٍ مفرط في نشاط السلطة العامة. وهذا التمييز كان محور تفكير فلاسفة منذ قرون؛ فـجون لوك رأى الحكومة وكيلة عن المجتمع، بينما أقام مونتسكيو فلسفته على تقييد السلطة حتى لا تتحول إلى غاية في ذاتها، فيما حذر فريدريش هايك من أن توسيع نطاق السلطة لا يعني بالضرورة قوة الدولة بل يمكن أن يفضي إلى مجتمع أضعف ومؤسسات أقل كفاءة. الخيط الناظم هو أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية بكفاءة وعدالة، وليس بمدى اتساع نشاطها الاقتصادي.

وفي مصر يمُثل الواقع المالي ضاغطاً إضافياً: فالحكمة من عمل السلطة العامة في المجال الاقتصادي تصبح أكثر وضوحاً عندما تكون الموارد محدودة. فحتى لو كانت النتائج متوازنة بين ما هو متاح وما يجب إنفاقه، فإن الدين الحكومي يلتهم جزءاً كبيراً من الإيرادات، حيث تشير الأرقام إلى أن فوائد الدين استحوذت على نحو 76% من إجمالى إيرادات الموازنة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام المالي، متجاوزة تريليوني جنيه. وهذا يجعل ترشيد تدخل السلطة العامة في الاقتصاد أمراً واقعياً وضرورياً بسبب التضييق المالي وتكلفة الفرصة البديلة المرتفعة.

تمكين القطاع الخاص وتحديد أسس المشاركة

يتطلب النقاش تبييناً لطبيعة القطاع الخاص الذي يستحق التمكين: قطاع منتج، تنافسي، يخلق قيمة مضافة، ويخاطر برأس ماله، ويحقق أرباحه عبر الابتكار والكفاءة، لا عبر الاحتكار أو المضاربة أو استغلال النفوذ. وإذا فسدت بيئة الحكم أو الأعمال، فلن ينجح أي من الطرفين في تعزيز التنمية، وقد يتحول كل منهما إلى عبء على المجتمع. كما لا يجوز أن يعني تمكين القطاع الخاص إغفال حماية المنافسة أو مصالح المستهلك أو ضبط الأسعار أو منع المراكز الاحتكارية التي تلتهم مزايا السوق نفسه. ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي ونشاط اقتصادي واسع خارج المنظومة الرسمية، فإدراج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي عبر تبسيط الإجراءات، وتوفير التمويل، وخفض تكلفة الامتثال، هوطريق لتقليل الفجوات وليس مطاردته.

النقاش حول حدود الدور الاقتصادي للسلطة العامة يجب أن يُنظر إليه في الصورة الكلية، بما في ذلك الهيئات الاقتصادية والصناديق والشركات المملوكة للحكومة، لأنها جميعها تؤثر في الاستثمار وتخصيص الموارد والمنافسة. وليست الحجة هنا في توسيع الحكومة، بل في تأكيد الدور الطبيعي لها كجهة مسؤولة وراقبة للأسواق، تحمي المنافسة دون أن تكونطرفاً فيها.

الخلاصة

المطلوب ليس أن تغيب السلطات عن الاقتصاد، بل ألا تتجاوز حدودها الطبيعية. نريد سلطة عامة قوية في وظائفها الأساسية، منظمة للأسواق لا لاعب فيها، حامية للمنافسة لاطرف فيها. فالموازنة المتبعة لا تعكس فقط حجم الحكومة بل تعكس توجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والتعليم والصحة والبنية الأساسية والضمان الاجتماعي، مع تقليل العبء عن القطاع الخاص والاقتصاد الرسمي. في نهاية المطاف تكون الدولة هي المنتصر عندما يعرف الجميع أين يبدأ دورها وأين ينتهي.

زر الذهاب إلى الأعلى