مقال رأي

السباحة ضد التيار وكليات القمة: قراءة نقدية حول تقسيم الجامعات وتداعياته

تتخذ هذه القراءة من صورة السباحة ضد التيار استعارةً لوضعٍ جماعيٍ يَزعم أنه الطريق الأمثل للأمام، فتشير إلى ضرورة المقاومة حين يفقد التيارُ قدرته على تمثيل ما نأمله ونستحقه من فرص. يُلاحظ أن بعض الكيانات تَفترض باستمرار سريان الجميع في ركابها على مدى الطرُق، مع افتراض أن الجميع يسير معهم دوماً في الطريق الصحيح، دون أن يتوقفوا ليستفسروا عن مدى سلامة هذا التدفق ومآله.

يُقال غالباً عمن يعارض: إنه يسبح ضد التيار، ويفترض هؤلاء أن الكل معهم بالضرورة، أو أن من يخالفهم ليس من حقه أن يصنع خروجه أو يتوقف عن الركوب معهم. كما أنهم يعتقدون كذباً أن ركبهم يسيرطوال الوقت في المسار المفيد، وهو تصور يختلقه البعض دون مراجعة للواقع. في المجتمعات السليمة صحياً، لا يوجد تيار واحد فقط، وإنما تيارات متوازية تتقدم للأمام وتتوحد في غاية التقدم لكنها تختلف في الوسائل.

في هذه المجتمعات تكون الاختلافات بمثابة أنهار فرعية تصب في النهر الأكبر، لكنها تحتفظ باستقلالها في السير والجريان، وهو ما يساعد على ضبط إيقاع التيار ومساره، حتى يسقى الماء النسل والزرع دون أن يتحول إلى فيضان مدمر أوطوفان مهلك أو أن ينزلق نحو المستنقعات.

كن ممتازًا في كلية عادية، ولا تكن عاديًا في كلية ممتازة

يستذكر البعض مقولة مدرس اللغة العربية فيطابور الصباح بمدرسة المنيا الثانوية العسكرية التي تحث الطالب على اختيار الكلية التي يمكنه فيها التفوق، بغض النظر عن ترتيبه في التنسيق. ورغم أن هذه النصيحة تحمل تشجيعًا للتميز، فإنها تحمل أيضاً مغالطة حين تقسم الكليات إلى “ممتازة” و“عادية”.

يشير النص إلى أن مجتمعنا تبنى بنية تمييزية تربط العلوم التطبيقية والعلوم البحتة بمكانة أعلى من العلوم الإنسانية، فيخضع التعليم لسوق العمل بوصفه هدفًا أساسيًا، بينما يفترض أن نتعلم لنرتقي ونفهم ونعيش معًا في حضارة وتقدم. ويؤكد أن العائد المادي والوضع الاجتماعي قد أصبحا معيارين لتحديد كِليات القمة، بغض النظر عن القيمة الحقيقية التي قد يضيفها الخريج للمجتمع والدولة.

وينتقد الكاتب تقسيم الكليات ويشير إلى أن بعض الكليات المسمّاة بالعادية أو الوسطى تؤدي وظائف مهمة في التنمية والعلوم، وأن هذا التصنيف يجعل من كليات مثل الطب والهندسة وغيرها من مجالات القمة معياراً وحيداً يعترض عليه بالضرورة. كما يلفت إلى أن البلد الزراعي مثل مصر يحتاج إلى العناية بالزراعة وما يرتبط بها من صناعات، خاصة مع استيراد نحو ستين في المئة من احتياجاته الغذائية. وهنا يطرح الكاتب رؤية بديلة تضع كلية الزراعة في مكانة عالية كمرجعية، إذا سلَّمنا بمفهوم “القمة” على نحوٍ يتسق مع قيم التطور العلمي والتنمية الشاملة.

ويشير إلى أنك كانت هناك مقالاتٌ سابقةٌ تنبّه إلى أهمية كلية الزراعة، منها إشادةٌ من قبل الأستاذ أحمدطه النقر بمكانة الكلية، وتعجب من قلة الإقبال عليها ضمنطلاب المرحلة الأولى وفق تنسيق الثانوية العامة. كما يذهب الكاتب إلى أن للزراعة مكانةً لا بد من الاعتراف بها ضمن خطط التنمية، خاصةً فيما يتعلق بالكيمياء الحيوية النباتية والحيوانية، والصناعات الغذائية، وأساليب الزراعة الحديثة، وطرق الري وتنمية الثروة الحيوانية، وغيرها من المساقات الحيوية التي تُسهم في تطوير الحياة والاقتصاد الوطني.

وفي ضوء ذلك، يرى الكاتب أن تأكيد قيمة كليات الزراعة والعلوم كركائز مهمة للتقدم العلمي والتنمية ليس مجرد جدلٍ لفظي، بل اقتناعٌ بأن التنويع في وسائل التقدم يضبط إيقاع المجتمع ويمنع الانزلاق إلى تصنيفات سطحية تبتعد عن حقيقة القيمة التي تقدمها هذه الحقول المعرفية للمجتمع والدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى