برامج اقتصادية للبيع!

ماذا يعني مصطلح البرنامج الاقتصادى الوطنى في سياق ما بعد انتهاء البرنامج مع صندوق النقد؟
يطرح الحوار حول «برنامج اقتصادى وطنى» في مصر تساؤلات عن التطورات المطلوبة بعد انتهاء البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي، مع توجيه انتباه القارئ إلى الضجيج الإعلامي الذي رافق المصطلح في الأسابيع الماضية. فالمقال يوضح أن الانتقال لا يستند إلى فكرة بسيطة عن وجود برنامج مفروض ثم برنامج وطني فحسب، بل يبرز تعقيدات أعمق مرتبطة بتحديد الأهداف والسبل العملية للتمويل والتنفيذ.
موقف الحكومة من دور صندوق النقد والتمويل المحتمل
تؤكد الحكومة منذ البداية أن برنامجها مع صندوق النقد كان إطاراً للإصلاح الوطني اعتمدته الدولة ثم اعتمده الصندوق، ولم يتضمن شروطاً تمس ثوابت السياسة الاقتصادية أو الاجتماعية. كما يوضح النص أن توصيف البرنامج الجديد بأنه «وطنى» لا يعنى بالضرورة تفوقاً سابقاً، سواء ارتبط بالصندوق أم لم يرتبط، أو سواء كان التمويل من مؤسسة دولية أم اقتصر على المتابعة الفنية والتقييم الدورى.
هل يتطلب البرنامج الجديد تمويلاً من صندوق النقد؟
لا مانع من أن يستمر وجود التمويل من صندوق النقد أو أن يخلو البرنامج من تمويله، مع إمكانية الاعتماد على متابعة فنية وتقييم دورى كآليات لضمان الانضباط الاقتصادى ومصداقية السياسات أمام المستثمرين ومؤسسات التصنيف، دون اقتضاء اقتراض جديد. كما يمكن أن تغدو خيارات التمويل مختلفة، بما في ذلك الاستغناء عن برامج التمويل التى يقدمها الصندوق.
كيف يمكن تمويل برنامج اقتصادي وطنى؟
يناقش النص أن سؤال التمويل يظل أساسيًا عند الحديث عن توجه اقتصادى وطنى. فمع تراجع الادخار المحلي إلى نحو ١،٢٪ من الناتج المحلى الإجمالى، واعتماد المالية العامة على أدوات الدين لتمويل العجز، يطرح الحديث عن تمويل ذاتى لخطة تنموية واسعة كأنه أقرب إلى أمل من كونه واقعًا. كما تُطرح بدائل مثل الاستثمار الأجنبى المباشر أو أدوات الدين، مع الإشارة إلى أن الاستثمار الخارجى يخضع لحسابات المستثمرين ولا يمكن توجيهَه قسريًا إلى القطاعات المستهدفة. كما يظل التمويل بالدين خياراً رئيسياً، حيث قد تعود المؤسسات الدولية للعب دورها من حيث التكلفة والأجل إذا وُجدت رؤية اقتصادية متماسكة ومفاوضة فعّالة من الجانب المصري.
المصادر الثلاثة للتمويل والخطط التنموية
يؤكد النص أن التمويل يمكن أن يتم من ثلاثة مسارات: تمويل ذاتى، أو شراكات، أو دين. وبالنسبة للخطة التنموية فبدون توفر التمويل ستظل مخرجاتها حبرًا على ورق. كما لفت إلى وجود جهد فكري نقدّمه مؤسسات مثل معهد التخطيط القومى واستراتيجيات مصر ٢٠٣٠ و٢٠٤٠، إلى جانب دراسات جامعات ومراكز فكر قطاع خاص، وكلها روافد يمكن استيعابها وتوحيدها في إطار واحد يساهم في بناء برنامج واقعي ومصدّق.
ما الجديد الذي يجب أن يقدمه البرنامج الاقتصادي الوطني؟
يُطرح التساؤل عن مدى قدرة البرنامج على تجسيد روافد المعرفة المؤسسية وتوحيدها بدلاً من البدء من جديد مع تغيّر المسؤولين. يرى الكاتب أن تراكم المعرفة المؤسسية أهم من اجتهادات الأفراد، وأن التكامل بين ما تم إنتاجه وما سيُنتج هو الطريق الأقصر لبرنامج يحظى بمصداقية. كما يشير إلى أن النجاح ليس في إصدار وثيقة جديدة فحسب، بل في استيعاب خبرات المؤسسات والصياغة في إطار واضح يحقق استدامة السياسات.
الإطار المؤسسي والركائز الأساسية للبرنامج
بناءً على ذلك، يبرز مقترح بوجود منظومة مستقرة للتخطيط والمتابعة والتقييم تضمن استمرارية السياسات مع مرونة التطوير. ويُشار إلى أن الاستقرار هنا ليس جموداً، بل وضع «دستورًا اقتصاديًا» يحدد أهدافاً كبرى مثل استقرار الاقتصاد الكلى، واستدامة المالية العامة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، مع إبقاء الأدوات التنفيذية قابلة للمراجعة وفق المتغيّرات. كما يجب وجودطبقة وسطى من المستهدفات الخمسية تقيس الأداء بمؤشرات واضحة وتتيح تعديل المسار دون هدم البناء كله.
أما في المضمون، فحتى يبدأ البرنامج الاقتصادي الوطني فعلياً، فيجب تشخيص المشكلة بدقة قبل القفز إلى الحلول. فالأزمة المصرية ليست في نقص التمويل فحسب، بل في ضعف إنتاجية عوامل الإنتاج وتبعاته من نمو متباطئ وعجزين داخلي وخارجي. كما أظهر تمويل العجزين بارتفاع الدين العام، وضغطاً مستمراً على سوق النقد الأجنبى، في حين تبقى مرونة سعر الصرف غير كافية بمفردها إذا لم تُدعَم بقدرة إنتاجية حقيقية وتوظيف سياسات نقدية تقود إلى إدارة التضخم دون التوسع النقدي المفرط.
خلاصة الرؤية وتوقعات المجتمع
يؤكد النص أن البرنامج الوطني يجب أن يقوم على أربعة ركائز مترابطة: استقرار الاقتصاد الكلى كقاعدة للنمو، وتحول هيكلي لرفع الإنتاجية وتوسيع سبل التصدير ومكافحة الواردات، وإصلاح مؤسسي يعزز كفاءة الدولة والحوكمة، وتمكين القطاع الخاص ليقود النشاط في أطر المنافسة العادلة، مع بقاء الدولة في أدوار تنظيمية ورقابية واستثمارية عند الحاجة. وعند هذه النقطة يتحول البرنامج إلى وطنى لأنه يعالج الاختلالات الهيكلية ويحقق توافقاً وطنياً حول أهدافه ويضمن استمرارية السياسات عبر مؤسسات لا أشخاص. ويختتم الكاتب بالرهان على وجود منظومة تخطيط وتقييم متماسكة لضمان استمرار الإصلاحات بعيداً عن تغيّر الوجوه، وتُبني الدولة على أسس تستند إلى موارد واقعية وتوازنات اقتصادية محكومة بمرونة وتجديد مستمرين.
كاتب ومحلل اقتصادى، مقال رأي.





